فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 2668

"إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا"أي فمن علامَاتِهَا الصُّغْرَى كثرة السَّرَارِي فيَتَسَرَّى الرَّجُلُ جَارِيَةً تَلِدُ له ولدًا، فيصبح ذلك الولد سَيِّدَ الأَمَةِ، وقيل هو كناية عن كثرة العقوق، حتَّى يعامل الولد أمه معاملة السَّيِّدِ لجاريته."وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ البُهْمُ فِي البُنْيَانِ"أي ومن علاماتها الصُّغْرَى أيْضًَا أنْ يتنافس رعاة الإِبل السُّوْدِ فِي تَشْيِيدِ القُصُورِ والمبانِي العالية."فِي خَمْسٍ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ"أي وأمَّا العِلْمُ بالسَّاعَةِ ووقت قيامها على وجه التَّحْدِيدِ فذلك أمْرٌ غَيْبِيٌّ يدخل ضمن الغيبيات الخمسة التي لا يعلمها أَحَدٌ إلاّ الله"ثُمَّ تَلاَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} الآيَةَ"أي ثُمَّ قَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه الآية الكريمة مُسْتَدِّلًا بِهَا على أنَّ اللهَ وَحْدَهُ هو الذي عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، كما نَصَّتْ عليه الآية.

"ثُمَّ أَدْبَرَ"أي ثم ذهب ذلك الرَّجُلُ."فَقَالَ: «رُدُّوهُ» فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا"لأنَّهُ كان قد اختفى عن أبصارهم!"فَقَالَ: «هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ» "أي هذا السَّائِل هو جِبْرِيلُ عليه السَّلامُ مَلَكُ الْوَحْيِّ، جاء ليعلم النَّاس أركان دينهم، وهكذا سلك جِبْرِيلُ فِي تعليمه طريق السُّؤالُ والجَوَابُ لأنَّهُ أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أوَّلًا: أنَّ الإِيمان هو التَّصْدِيق بِجَمِيعِ القضايا الاعتقادية التي جَاءَ بِهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من وجود الله وربوبيته ووحدانيته وصِفَاتِه، والتَّصْدِيقِ بالملائكة، والبعثِ والرُّسُلِ والكتب السَّمَاويةِ والقَدَرِ وجَمِيعِ الشِّئُون الغيبية.

ثانيًا: أَنَّ أرْكَانَ الإِسْلامِ خَمْسَةٌ بعضها لِسَانِيٌّ قَلْبِيٌّ كالشَّهَادَتَيْنِ، وبعضها بَدَنِيٌّ كالصَّلاةِ، وبعضها مَالِي ٌّكالزَّكَاةِ والحَجِّ.

ثالثًا: أَنَّ الإِحْسَانَ وهو مقام المراقبة أعلى مقامات الدِّينِ، وهو منهاج النَّبِيّينَ والصِّدِّيقِينَ والصَّالِحِينَ وحَسُنَ أولئك رَفِيقًَا.

رابعًا: ظاهر الحديث أنَّ الإِسْلامَ والإِيِمَانَ حَقِيقَتَانِ مُتَبَايِنَتَانِ، وأَنَّ الإِسْلاَمَ يُطْلَقُ عَلَى الأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ. والإِيِمَانَ عَلَى الأَعْمَالِ البَاطِنَةِ. قال الحافظ ابن حجر:"وَقد نقل الإسْفراييني فِي صَحِيحِهِ عَنِ الْمُزَنِيِّ صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ: الْجَزْمَ بِأَنَّهُمَا عِبَارَةٌ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ وَأَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ. وَعَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: الْجَزْمَ بِتَغَايُرِهِمَا وَلِكُلٍّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ أَدِلَّةٌ مُتَعَارِضَةٌ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: صَنَّفَ فِي الْمَسْأَلَةِ إِمَامَانِ كَبِيرَانِ وَأَكْثَرَا مِنَ الْأَدِلَّةِ لِلْقَوْلَيْنِ وَتَبَايَنَا فِي ذَلِكَ وَالْحَقُّ أَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا فَكُلُّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ وَلَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنًا"انْتَهَى (1) ، والذي عليه البُخَارِيّ أنَّ الإِسلامَ والإِيمانَ والدِّينَ عباراتٌ مختلفةٌ عن معنىً وَاحِدٍ.

والنَّاظر فِي النُّصُوصِ، يَرَى أَنَّهُما إذا اجْتَمَعَا افْتَرَقَا كما فِي حديثِ جِبْرِيلَ هذا، وإذا افْتَرَقَا اجْتَمَعَا. فإذا ذكر الإِسلام وحده كان جامعًا لمعنى الإِسلام والإِيمان معًا. وإذا ذكر الإِيمان وحده كان جامعًا لمعنى الإِيمان والإِسلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت