وهكذا نَصَرَ اللهُ المُسْلِمِينَ بعد إدْبَارِهِم وهَزِيْمَتِهِم، كما قال تَعَالَى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا) إلى آخر الآية الكريمة، التي يَمُنُّ اللهُ تَعَالَى فيها على المُسْلِمِينَ، ويُذَكِّرَهُم بأنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قد نَصَرَهُم فِي وقائع كثيرة فَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ) أي فِي غَزَوَاتٍ كَثِيرَةٍ مَا كنتم تُؤَمِّلُونَ فيها بالظَّفَرِ لقِلَّةِ عَدَدِكُم وعَتَادِكُم، ونَصَرَكُمْ أيْضًَا فِي غزوة حُنَيْنٍ التي أعجبتكم فيها كثرتكم، إذ كنتم اثْنَي عَشَرَ ألْفًَا، وكان الكافرون أَرْبَعَةَ آلافٍ فَقَطْ فقال قائلكم:"لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ"، فَشَقَّ ذلك على النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكانت الهَزِيمَةُ لكم عُقُوبَةً على هذا الغُرُورِ، والعُجْبِ، (فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا) أي فلم تكن تلك الكثرة التي غرتكم كافية لانْتِصَارِكُم (وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ) ضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِرَحْبِهَا وَسِعَتِهَا فَلَمْ تَجِدُوا لَكُمْ فِيهَا مَذْهَبًا وَلَا مُلْتَحَدًا (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) أَيْ وَلَّيْتُمْ ظُهُورَكُمْ لِعَدُوِّكُمْ مُدْبِرِينَ لَا تَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ" (4) ، (ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) أي ثُمَّ أنْزَلَ اللهُ تَعَالَى من سَمَاءِ عِزَّتِهِ على قلب نَبِيِّهِ والْمُؤْمِنِينَ من حَوْلِهِ الشُّعُورَ بالأَمْنِ والهُدُوءِ والطُّمَأنِينَةِ والارْتِيَاحِ النَّفْسِي بعد مَا عَرَضَ لَهُمْ من الحزن والقلق عند وقوع الهَزِيمَةِ لِإِخْوَانِهِم."
أمَّا رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبعض الْمُؤْمِنِينَ الذين أَحَاطُوا بِهِ وَهُمْ قِلَّةٌ لا يَتَجَاوَزُونَ التِّسْعَةِ، فإنَّهُم ثَبَتُوا كالأَطَوادِ الرَّاسِيَاتِ. قال الحافظ فِي"الفتح":"وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:"لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ حُنَيْنٍ وَإِنَّ الْفِئَتَيْنِ لَمُوَلِّيَتَيْنِ، وَمَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَةُ رَجُلٍ"اهـ (5) . وَيُقَالُ: إنّ الْمِائَةَ الصّابِرَةَ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، وَسَبْعَةٌ وَسِتّونَ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَالْعَبّاسُ، وَأَبُو سُفْيَانَ، الْعَبّاسُ آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَتِهِ، وَأَبُو سُفْيَانَ عَنْ يَمِينِهِ، وَحَفّ بِهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ. وقال بَعْضُ المُفَسِّرِينَ معنى قوله تعالى: (وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) أي أنَّ اللهَ أنْزَلَ السَّكِينَةَ على الفَارِّينَ وأَعَادَ إليهم ما زال عنهم من الصَّبْرِ والثَّبَاتِ ورَبَاطَةِ الجَأْشِ، ولا سيما عندما سَمِعُوا نِدَاءَ الْعَبَّاسِ يَدْعُوهُمْ إلى نَبيِّهِم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ." (وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا) "أي أنْزَلَ جُنُودًَا رَوْحَانِيَّةً من المَلائِكَةِ لَمْ تَرَوْهَا بِأبْصَارِكُم."وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا"بالقتل والأسر والسَّبْي."وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ"فِي الدُّنْيَا ما دَامُوا يَسْتَحِّبُّونَ الكُفْرَ على الإِيمان ويقاتلون أَهْلَهُ."
(1) "عيون الأثر":"غَزْوَةُ حُنَيْنٍ وَهِيَ غَزْوَةُ هَوَازِنَ"ج 2 ص 242.
(2) "الطبقات الكبري ط دار صادر":"غزوة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى حنين".
(3) "زاد المعاد": [فصل في جَوَازُ عَقْرِ مَرْكُوبِ الْعَدُوِّ إِذَا كَانَ عَوْنًا عَلَى قَتْلِهِ] ج 4 ص 424.