فهرس الكتاب

الصفحة 2144 من 2668

اللهُ لَهُم الكَرَّةَ على الأَعْدَاءِ، رَحْمَةً بِهِم، ونَصْرًَا لِدِينِهِ، وإكْرَامًَا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وللَّذين ثَبَتُوا معه من الْمُؤْمِنِينَ، وقد كان النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَامِدًَا فِي مَوْقِفِهِ على بَغْلَتِهِ الشَّهْبَاءَ يَقُولُ:

أَنَا النَّبِيّ لاَ كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِب

ولَمَّا اسْتَقْبَلَتْهُ كَتَائِبَهُم أَخَذَ قَبْضَةً من تُرَابٍ، وَرَمَى بِهَا إلى عُيُونِهِم فَمَلأَتْ أَعْيُنَ القَوْمِ، وأَنْزَلَ اللهُ مَلائِكَتَهُ لِنَصْرَةِ المُسْلِمِينَ، وانْتَهَتْ المَعْرَكَةُ بِهَزِيمَةِ هَوَازِنَ، وغَنِمَ المُسْلِمُونَ كَثِيرًَا، (وَوَقَفَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ عَلَى ثَنِيَّةٍ مِنَ الثَّنَايَا حَتَّى مَضَى ضُعَفَاءُ أَصْحَابِهِ، وَتَتَامَّ آخِرُهُمْ، ثُمَّ هَرَبَ فَتَحَصَّنَ فِي قصر يليه، ويقال: دخل حصن ثقيف. وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسَّبْيِ وَالْغَنَائِمِ تُجْمَعُ، فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ وَحَذَرُوهُ إِلَى الْجِعْرَانَةِ(1) ، فَوَقَفَ بِهَا إِلَى أَنِ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الطَّائِفِ وَهُمْ فِي حَظَائِرِهِمْ يَسْتَظِلُّونَ بِهَا مِنَ الشَّمْسِ وَكَانَ السَّبْيُ سِتَّةَ آلَافِ رَأْسٍ وَالْإِبِلُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ بَعِيرٍ وَالْغَنَمُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ أَلْفِ شَاةٍ، وَأَرْبَعَةُ آلَافِ أُوقِيَّةِ فِضَّةٍ، فَاسْتَأْنَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسَّبْيِ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ وَفْدُهُمْ وَبَدَأَ بِالْأَمْوَالِ فَقَسَمَهَا وَأَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ أَوَّلَ النَّاسِ فَأَعْطَى أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً وَمِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، قَالَ: ابْنِي يَزِيدَ قَالَ: أَعْطُوهُ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً وَمِائَةً مِنَ الْإِبِلِ قَالَ: ابْنِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ: أَعْطُوهُ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً وَمِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، ثُمَّ سَأَلَهُ مِائَةً أُخْرَى فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا، ... وغيرهم؛ وَأَعْطَى ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الْخُمُسِ، وَهُوَ أَثْبَتُ الْأَقَاوِيلِ عِنْدَنَا.

ثُمَّ أَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ بِإِحْصَاءِ النَّاسِ وَالْغَنَائِمِ ثُمَّ فَضَّهَا عَلَى النَّاسِ فَكَانَتْ سِهَامُهُمْ لِكُلِّ رَجُلٍ أَرْبَعٌ مِنَ الْإِبِلِ وَأَرْبَعُونَ شَاةً، فَإِنْ كَانَ فَارِسًا أَخَذَ اثْنَيْ عَشَرَ مِنَ الْإِبِلِ وَعِشْرِينَ وَمِائَةَ شَاةٍ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ فَرَسٍ لَمْ يُسْهَمْ لَهُ. وَقَدِمَ وَفْدُ هَوَازِنَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا وَرَأَسَهُمْ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدٍ، وَفِيهِمْ أَبُو بُرْقَانَ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّبْيِ فَقَالَ: «أَبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ أَمْ أَمْوَالُكُمْ؟» قَالُوا: مَا كُنَّا نَعْدِلُ بِالْأَحْسَابِ شَيْئًا) اهـ (2) .

قال ابن القيم:"وَمِنْهَا: جَوَازُ انْتِظَارِ الْإِمَامِ بِقَسْمِ الْغَنَائِمِ إِسْلَامَ الْكُفَّارِ وَدُخُولَهُمْ فِي الطَّاعَةِ، فَيَرُدَّ عَلَيْهِمْ غَنَائِمَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ لِمَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْغَنِيمَةَ إِنَّمَا تُمْلَكُ بِالْقِسْمَةِ لَا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا، إِذْ لَوْ مَلَكَهَا الْمُسْلِمُونَ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ لَمْ يَسْتَأْنِ بِهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَرُدَّهَا عَلَيْهِمْ، وَعَلَى هَذَا فَلَوْ مَاتَ أَحَدٌ مِنَ الْغَانِمِينَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، أَوْ إِحْرَازِهَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ، رُدَّ نَصِيبُهُ عَلَى بَقِيَّةِ الْغَانِمِينَ دُونَ وَرَثَتِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أبِي حنيفة، لَوْ مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِيلَاءِ لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ شَيْءٌ، وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَسَهْمُهُ لِوَرَثَتِهِ"اهـ (3) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت