فَأَصَبْتُهُ فِي صَدْرِه بين ثَدْيَيْهِ،"حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ كَتِفَيْه"."قال: وَوَثَبَ إلَيْهِ رَجُل مِنَ الأنْصَارِ"وهو عَبْدُ اللهِ بْنِ زَيْدٍ"فَضَرَبَهُ بالسَّيْفِ على هَامَتِهِ"أي على رَأْسِهِ فكانت القَاضِيَة عليه.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: بَيَانُ مَقْتَلِ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وهو عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأَخُوه من الرَّضَاعَةِ، كان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَارِسًَا عَظِيمًَا فِي الجَاهِلِيَّةِ والإِسْلامِ وكانت قِصَّةُ إِسْلامِهِ مَثَلًا رَائِعًَا للبُطُولَةِ الفَذَّةِ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:"حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ، كَانَ وَاعِيَةً: أَنَّ أَبَا جَهْلٍ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الصَّفَا، فَآذَاهُ وَشَتَمَهُ، وَنَالَ مِنْهُ بَعْضَ مَا يَكْرَهُ مِنْ الْعَيْبِ لِدِينِهِ وَالتَّضْعِيفِ لِأَمْرِهِ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَوْلَاةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ بْنِ عَمْرٍو فِي مَسْكَنٍ لَهَا تَسْمَعُ ذَلِكَ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ فَعَمَدَ إلَى نَادٍ مِنْ قُرَيْشٍ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ. فَلَمْ يَلْبَثْ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ أَقْبَلَ مُتَوَشِّحًا قَوْسَهُ، رَاجِعًا مِنْ قَنْصٍ لَهُ، وَكَانَ صَاحِبَ قَنْصٍ يَرْمِيهِ وَيَخْرُجُ لَهُ، وَكَانَ إذَا رَجَعَ مِنْ قَنْصِهِ لَمْ يَصِلْ إلَى أَهْلِهِ حَتَّى يَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ، وَكَانَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَمُرَّ عَلَى نَادٍ مِنْ قُرَيْشٍ إلَّا وَقَفَ وَسَلَّمَ وَتَحَدَّثَ مَعَهُمْ، وَكَانَ أَعَزَّ فَتًى فِي قُرَيْشٍ، وَأَشَدَّ شَكِيمَةً. فَلَمَّا مَرَّ بِالْمَوْلَاةِ، وَقَدْ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى بَيْتِهِ، قَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، لَوْ رَأَيْتَ مَا لَقِيَ ابْنُ أَخِيكَ مُحَمَّدٌ آنِفًا مِنْ أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ: وَجَدَهُ هَا هُنَا جَالِسًا فَآذَاهُ وَسَبَّهُ، وَبَلَغَ مِنْهُ مَا يَكْرَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَاحْتَمَلَ حَمْزَةَ الْغَضَبُ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ، فَخَرَجَ يَسْعَى وَلَمْ يَقِفْ عَلَى أَحَدٍ، مُعِدًّا لِأَبِي جَهْلٍ إذَا لَقِيَهُ أَنْ يُوقِعَ بِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ نَظَرَ إلَيْهِ جَالِسًا فِي الْقَوْمِ، فَأَقْبَلَ نَحْوَهُ، حَتَّى إذَا قَامَ عَلَى رَأْسِهِ رَفَعَ الْقَوْسَ فَضَرَبَهُ بِهَا فَشَجَّهُ شَجَّةً مُنْكَرَةً، ثُمَّ قَالَ: أَتَشْتِمُهُ وَأَنَا عَلَى دِينِهِ أَقُولُ مَا يَقُولُ؟ فَرُدَّ ذَلِكَ عَلَيَّ إِنْ اسْتَطَعْتُ. فَقَامَتْ رِجَالٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ إلَى حَمْزَةَ لِيَنْصُرُوا أَبَا جَهْلٍ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: دَعُوا أَبَا عُمَارَةَ، فَإِنِّي وَاَللَّهِ قَدْ سَبَبْتُ ابْنَ أَخِيهِ سَبًّا قَبِيحًا، وَتَمَّ حَمْزَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى إسْلَامِهِ، وَعَلَى مَا تَابَعَ عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ"اهـ (5) .
وأسْلَمَ حَمْزَةُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ البَعْثَةِ، ولازَمَ نَصْرَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وشَهِدَ بَدْرًَا وأبْلَى فِي ذلك بَلاءً عَظِيمًَا، وقَتَلَ شيبة بن ربيعة وطعيمة بن عَدِيٍّ، وهو الذي أوْغَرَ عليه صدر جُبَيرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وهِنْدِ بنت عتبة، ودفعهما لأَخْذِ الثَّأْرِ منه، فَأوْعَزَ جُبَيرٌ إلى مَوْلاهُ وَحْشِيٍّ بِقَتْلِ حَمْزَةَ، وَوَعَدَهُ بِعِتْقِ رَقَبَتِهِ مُكَافَأةً له على ذلك، فَتَمَّ أَمْرُ اللهِ، ونَفَذَ قَضَاؤهُ، ولَمْ يُقْتَلْ مواجهة ولا مبارزة، فما كان لوَحْشِيٍّ أَنْ يَنَال من سَيِّدِ الفَوَارِسِ شَعْرَةً لو واجهه.