سنة (23) من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين عامًا على الأصحِ. جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وَقَدْ صُلِّيَ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ:"وَاللَّهِ لَئِنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونِي بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ لا تَسْبِقُونِي بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ. فَقَامَ عِنْدَ سَرِيرِهِ فَقَالَ:"نِعْمَ أَخُو الإِسْلامِ كُنْتَ يَا عُمَرُ. جَوَّادًا بِالْحَقِّ بَخِيلًا بِالْبَاطِلِ. تَرْضَى حِينَ الرِّضَى وَتَغْضَبُ حِينَ الْغَضَبِ. عَفِيفَ الطَّرْفِ طَيِّبَ الظُّرْفِ. لَمْ تَكُنْ مَدَّاحًا وَلا مُغْتَابًا"اهـ. لَمَّا مَاتَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَكَى سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: يَا أَبَا الأَعْوَرِ مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ:"عَلَى الإِسْلامِ أَبْكِي. إِنَّ مَوْتَ عُمَرَ ثَلَمَ الإِسْلامَ ثُلْمَةً لا تُرْتَقُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ يَوْمًا وَهُوَ يَذْكُرُ عُمَرَ:"إِنْ مَاتَ عُمَرُ رَقَّ الإِسْلامُ. مَا أُحِبُّ أَنَّ لِيَ مَا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ تَغْرُبُ وَأَنِّي أَبْقَى بَعْدَ عُمَرَ". قَالَ قَائِلٌ: وَلِمَ؟ قَالَ:"سَتَرَوْنَ مَا أَقُولُ إِنْ بَقِيتُمْ. أَمَا هُوَ: فَإِنْ وَلِيَ وَالٍ بَعْدَ عُمَرَ فَأَخَذَهُمْ بِمَا كَانَ عُمَرُ يَأْخُذُهُمْ بِهِ لَمْ يُطِعْ لَهُ النَّاسُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَحْمِلُوهُ؛ وَإِنْ ضَعُفَ عَنْهُمْ قَتَلُوهُ". وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْعَبَّاس قَالَ: كَانَ عُمَرُ لِي خَلِيلًا (1) وَإِنَّهُ لَمَّا تُوُفِّيَ لَبِثْتُ حَوْلًا أَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَرِيَنِيهِ فِي الْمَنَامِ. قَالَ: فَرَأَيْتُهُ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ يَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ جَبْهَتِهِ. قَالَ:"قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا فَعَلَ بِكَ رَبُّكَ؟"قَالَ:"هَذَا أَوَانُ فَرَغْتُ وَإِنْ كَادَ عَرْشِي لَيُهَدُّ لَوْلا أَنِّي لَقِيتُ رَبِّي رَءُوفًا رَحِيمًا"."
الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ، والتِّرْمِذِيّ.
معنى الحديث: يُحَدِّثُنَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في حديثه هذا:"أنَّ رجُلًا مِنَ اليَهُودِ"وهو كعب الأحبار -كما أفاده الطبري في تفسيره، والطَّبَرَانِيّ في الأوسط -"قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ، لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا"أي لجعلناه عيدًا نحتفل به تقديرًا وتكريمًا لذلك اليوم،"قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} فهي آية عظيمة جديرة بأنْ يحتفل بيوم نزولها، لأنَّ الله أَتَمَّ بهذه الآية المباركة أَحْكامَ الدِّينِ وشَرَائِعَ الإِسْلام، بعد أنْ أَتَمَّ نعمته على المسلمين بالهداية والتَّوْفيق، وفتح البلد الحرام، والقضاء على النُّفُوذِ الوَثَنِي فيه، واختار لهذه الأمة دين الإِسلام الحنيف، وارتضاه لهم دون سواه، فقال: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) وقال تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) ."
قال عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ"الذي نزلت فيه الآية الكريمة"وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ"أي وعرفنا المكان الذي نزلت فيه، فأنت لم تَأْتِ بجديد، ولم تنبهنا على شَيْءٍ كنا نَجْهَلُهُ فهي قد نزلت"عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ"فأصْبَحَ ذلك اليوم عيدًا لأنه يوم عرفة وعيدًا أيضًا لأنَّه يَوْمُ جُمُعَةٍ، فاجتمع فيه عيدان، كما جاء مُصَرَّحًَا بذلك في رواية الطَّبَرَانِيّ حيث قَالَ عُمَرُ: «إِنِّي لَأَعْرِفُ فِي أَيِّ يَوْمٍ أُنْزِلَتْ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} يَوْمَ جُمُعَةٍ، يَوْمَ عَرَفَةَ، وَهُمَا لَنَا عِيدَانِ» (2) ؛ وروى ابن عباس رَضِيَ