قالوا: إنَّ رواية يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام منقطعة، على أنَّ يحيى قال: حدثني زيد بن سلام، وقد قيل: إنَّه دلَّس
ذلك، ولعله كان أجازه زيد بن سلام، فجعل يقول: حدثنا زيد"."
وهذا النَّوْع من التَّدليس بَيَّنه الحافظ ابن حجر في"طَبَقاتِ المُدَلِّسِين"فقال:"ويلتحق بالتَّدليس ما يقع من بعض المحدِّثِينَ من التَّعبِيرِ بالتَّحْدِيثِ أو الإخبار عن الإجازة مُوهِمًا السَّمَاع، ولا يكون سمع من ذلك الشَّيخ شيئًا" (15) . وقال في"توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار":"والحديث المدلس أولى بالقبول من المرسل لأنه إذا كان في الإسناد من لا يقبل فالحديث مردود"لوجود من لا يقبل في روايته"وإن كان عن ثقات عنده"عند المُدَلِّسِ لا عند غيره"فقد أوهم المُدَلِّسُ أنَّه صحيح"لطيه ذكر شيخه مثلًا"وقصد إبهام ذلك"إذ لولا القصد لما دلَّس"."
(1) التدليس: مأخوذ من الدَّلَس - بالتحريك - وهو اختلاط الظلام الذي هو سبب لتغطية الأشياء عن البصر. قال ابن حجر:"وكأنَّه أظلم أمره على النَّاظر لتغطية وجه الصَّواب فيه". ومنه التَّدليس فِي البيع، يقال: دلَّس فلان على فلان، أي: ستر عنه العيب الذي في متاعه كأنه أظلم عليه الأمر، وأصله مما ذكرنا - من الدَّلَس -.
وهو فِي الاصطلاح راجع إلى ذلك من حيث إنَّ مَن أسقط مِنَ الإسناد شَيْئًَا فقد غطّى ذلك الذي أسقطه، وزاد فِي التغطية فِي إتيانه بعبارة موهمة، وكذا تدليس الشيوخ فإَّن الراوي يغطّي الوصف الذي يُعرف به الشيخ أو يغطّي الشيخ بوصفه بغير مَا يَشْتَهِرُ به.
(2) ليس الأمر كما ذكر المصنف هنا، بل هناك أقسام أُخر أغفل المصنّف ذكرها، منها: تدليس التَّسْوِيَةِ، وتدليس القطع، وتدليس العطف، وغيرها.
(3) هذا ليس من التَّدْلِيسِ فِي شَيْءٍ، على قول ابن حجر، بل هو من باب المرسل الخفي، وحاصل كلامهم أنَّ فِي هذا الباب صُوَرًَا هي:
1 -الاتّصال: وهو الرواية عمّن عاصره وسمع منه، ما قد سمعه منه.
2 -الانقطاع: وهو الرواية عمَّن لَم يعاصره أصلًا.
3 -الإرسال الخفي: وهو الرواية عمَّن عاصره ولم يسمع منه.
4 -التدليس: هو الرواية عمّن عاصره وسمع منه، ما لم يسمعه منه.
وانظر: نكت الزركشي 2/ 68، والتقييد والإيضاح 97، ونكت ابن حجر 2/ 614، وأثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء: 60 وما بعدها.
(4) أسند هذه القصة الحاكم فِي المدخل إلى الإكليل: 20 - 21، وفي معرفة علوم الحديث: 105، والخطيب في الكفاية: (512 ت، 359 هـ) . قال الزركشي 2/ 70: (( هكذا مثّل هذا القسم، ثم حكى الخلاف فيمن عرف به هل يرد حديثه مطلقًا، أو مَا لَمْ يصرّح فيه بالاتصال؟ وهو يقتضي جريانه في ابن عيينة، وهو مردود، فإن ابن عبد البر حكى عن أئمة الحديث أنهم قالوا: يقبل تدليس ابن عيينة؛ لأنَّه إذا وقف أحال على ابن جريج ومعمر ونظرائهما.