وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الله ابن بكير عن اللَّيْثِ قَالَ: كانت وَقْعَةُ الْحَرَّةِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، ثُمَّ انْبَعَثَ مُسْرِفُ بْنُ عُقْبَةَ إِلَى مَكَّةَ قَاصِدًا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ لِيَقْتُلَهُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ فَرَّ مِنْ بَيْعَةِ يَزِيدَ، فَمَاتَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فِي غضون ذلك"اهـ (1) . وقال فِي"الرَّوْض الأنف":"وَكَانَ سَبَبُهَا أَنّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ خَلَعُوا يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ وَأَخْرَجُوا مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَبَنِيّ أُمَيّة وَأَمّرُوا عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللهِ بْنَ حَنْظَلَةَ الْغَسِيلِ الّذِي غَسّلَتْ أَبَاهُ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَى هَذَا الْخَلْعِ أَحَدٌ مِنْ أَكَابِرِ الصّحَابَةِ الّذِينَ كَانُوا فِيهِمْ.
رَوَى الْبُخَارِيّ أَنّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لَمّا أُرْجِفَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِيَزِيدَ دَعَا بَنِيهِ وَمَوَالِيَهُ وَقَالَ لَهُمْ:"إنّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرّجُلَ عَلَى بَيْعَةِ اللهِ وَبَيْعَةِ رَسُولِهِ وَإِنّهُ وَاَللهِ لَا يَبْلُغَنّي عَنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ أَنّهُ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِ إلّا كَانَتْ الْفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ"؛ ثُمّ لَزِمَ بَيْتَهُ. وَلَزِمَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَيْتَهُ فَدُخِلَ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْأَيّامِ الّتِي اُنْتُهِبَتْ الْمَدِينَةُ فِيهَا، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ أَيّهَا الشّيْخُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ صَاحِبُ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالُوا لَهُ: قَدْ سَمِعْنَا خَبَرَك، وَلَنِعْمَ مَا فَعَلْت حِينَ كَفَفْت يَدَك، وَلَزِمْت بَيْتَك، وَلَكِنْ هَاتِ الْمَالَ! فَقَالَ: قَدْ أَخَذَهُ الّذِينَ دَخَلُوا قَبْلَكُمْ عَلَيّ وَمَا عِنْدِي شَيْءٌ فَقَالُوا: كَذَبْت وَنَتَفُوا لِحْيَتَهُ وَأَخَذُوا مَا وَجَدُوا حَتّى صُوفَ الْفَرْشِ وَحَتّى أَخَذُوا زَوْجَيْنِ مِنْ حَمَامٍ كَانَ صِبْيَانُهُ يَلْعَبُونَ بِهِمَا!
وَأَمّا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الّذِي كُنّا بِمَسَاقِ حَدِيثِهِ فَخَرَجَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَطُوفُ فِي أَزِقّةِ الْمَدِينَةِ وَالْبُيُوتُ تُنْتَهَبُ وَهُوَ أَعْمَى، وَهُوَ يَعْثِرُ فِي الْقَتْلَى، وَيَقُولُ: تَعِسَ مَنْ أَخَافَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! فَقَالَ لَهُ قَائِل: ٌ وَمَنْ أَخَافَ رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:"مَنْ أَخَافَ الْمَدِينَةَ، فَقَدْ أَخَافَ مَا بَيْنَ جَنْبَيّ"؛ فَحَمَلُوا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ فَأَجَارَهُ مِنْهُمْ مَرْوَانُ وَأَدْخَلَهُ بَيْتَهُ. وَقُتِلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ وُجُوهِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَلْفٌ وَسَبْعُمِائَةٍ وَقُتِلَ مِنْ أَخْلَاطِ النّاسِ عَشَرَةُ آلَافٍ سِوَى النّسَاءِ وَالصّبْيَانِ"اهـ."
وفِي "الموطأ":"أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَتُتْرَكَنَّ الْمَدِينَةُ عَلَى أَحْسَنِ مَا كَانَتْ، حَتَّى يَدْخُلَ الْكَلْبُ أَوِ الذِّئْبُ، فَيُغَذِّي عَلَى بَعْضِ سَوَارِي الْمَسْجِدِ أَوْ عَلَى الْمِنْبَرِ - أي يبول عليها -، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَلِمَنْ تَكُونُ الثِّمَارُ ذَلِكَ الزَّمَانَ؟ قَالَ: لِلْعَوَافِي: الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ"، قال القاضي عياض:"هذا قد جرى فإنَّها تركت أحسن ما كانت من حيث الدِّين والدُّنْيَا، وذكر الأخباريون أنَّه رحل عنها أكثر أهلها، وبقيت ثِمَارُهَا للعَوَافِي، وخَلَتْ مُدَّةً، ثُمَّ تَرَاجَعُوا"