فهرس الكتاب

الصفحة 1939 من 2668

فيه مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلائِكَةُ العَذَابِ، فقالت مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًَا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلى اللهِ تَعَالَى، وقالت مَلائِكَةُ العَذَابِ: إنَّهُ لَمْ يَعْمَل خَيْرًَا قط، فَأَوْحَى اللهُ إلى القَرْيَةِ الصَّالِحَةِ، وهي قرية"نصرة"أنْ تَقْتَرِبْ مِنْهُ، وأَوْحَى إلى القَرْيَةِ التي خرج مِنْهَا أَنْ تَبْتَعِدَ، وأمرهم أَنْ يقيسوا المَسَافَة بين القَرْيَتَيْنِ فوجدوه أقْرَبَ إلى القَرْيَةِ الصَّالِحَةِ بِشِبْرٍ، فَغُفِرَ له.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أَوَّلًا: أَنَّ التَّوْبَةَ تُكَفِّر الكَبَائِر كلها مَهْمَا بَلَغَتْ، بِمَا فِي ذلك القَتْلِ، لأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَبِلَ تَوْبَةَ هذا الرَّجُل الذي قَتَلَ مَائَة نَفْسٍ، ولا يقالُ: إنَّ القَتْلَ من حُقُوقِ الآدميين التي لا تقبل فيها التَّوْبَةُ إلا باسْتِحْلالِ أَصْحَابِ الْحُقُوقِ ومُسَامَحَتِهِم وإرْضَائِهِم، لأَنَّ اللهَ إذا قَبِلَ تَوْبَةَ العَبْدِ أَرْضَى عَنْهُ خَصْمَهُ؛ كما أَفَادَهُ القَسْطَلانِيّ.

ثَانِيًَا: قال الحافظ:"وَفِيهِ فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ لِأَنَّ الَّذِي أَفْتَاهُ أَوَّلًا بِأَنْ لَا تَوْبَةَ لَهُ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الْعِبَادَةُ فَاسْتَعْظَمَ وُقُوعَ مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ الْقَاتِلِ مِنَ اسْتِجْرَائِهِ عَلَى قَتْلِ هَذَا الْعَدَدِ الْكَثِيرِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَغَلَبَ عَلَيْهِ الْعِلْمُ فَأَفْتَاهُ بِالصَّوَابِ وَدَلَّهُ عَلَى طَرِيقِ النَّجَاةِ"اهـ (2) . وهذا يَدُلُّ على قِيمَةِ العِلْمِ، وأَنَّ العَالِمَ مُقَدَّمٌ على العَابِدِ.

ثَالِثًَا: أنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ تَابَ من ذَنْبٍ ولا سيما إذا كان من الكَبَائِرِ أَنْ يُعْقِبَهُ بالإِكْثَارِ من العِبَادَاتِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، ومُعَاشَرَةِ الصَّالِحِينَ، ولهذا أَفْتَاهُ هذا العَالِمِ الواعي أنْ يذهب إلى تلك القَرْيَةِ الصَّالِحَةِ، ليعايش الصَّالِحِينَ من أهلها، فيقتدي بِهِم فِي عِبَادَتِهِم، فَإِنَّ الحَسَنَةَ تُكَفِّر السَّيِّئَةِ، فإذا أُضِيفَتِ الحَسَنَاتُ إلى التَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ كَانَتْ خَيْرًَا على خَيْرٍ، والله أعلم.

والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيْل رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا".

(1) وفِي رواية فقال:"وَيْحَكَ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ اخْرُجْ مِنْ الْقَرْيَةِ الْخَبِيثَةِ الَّتِي أَنْتَ بِهَا، إِلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ، قَرْيَةِ كَذَا وَكَذَا الخ"سنن ابْن مَاجَه ت الأرنؤوط.

(2) "فتح الباري"لابن حجر: ج 6 ص 518.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت