فهرس الكتاب

الصفحة 1935 من 2668

"وَأَمَّا الثَّانِي"فهو رَجُلٌ أَقْرَعَ، أَتَاهُ المَلَكُ فِي صُورةِ إنْسَانٍ من البَشَرِ فسأله كما سأل صاحبه الأوَّل عن أُمْنِيَتِهِ فِي الحياة،"فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟"فقال: إنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يعود إليه شعر رأسه، لأنَّ الناس اشمأزوا منه، ومن منظر رَأْسِهِ البَشِع، وصورته القبيحة، وهو معنى قوله:"قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ"."قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا"،"قَالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: البَقَرُ، قَالَ: فَأَعْطَاهُ بَقَرَةً حَامِلًا، وَقَالَ: يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا".

"وَأَمَّا الثَّالِثُ"فهو رَجُلٌ أَعْمَى، أَتَاهُ المَلَكُ في صُورةِ إنْسَانٍ من البَشَرِ، فسأله عن أُمْنِيَتِهِ فِي الحَيَاةِ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: يَرُدُّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصْرِيّ، فَأُبْصِرُ بِهِ النَّاسَ"، وأرى الأشياء حولي،"قَالَ: فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ الغَنَمُ: فَأَعْطَاهُ شَاةً وَالِدًا"قال الحافظ:"أي ذات ولد، ويقال حامل". وقد بارك الله تعالى لهَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ فيما أعطاهم،"فَأُنْتِجَ هَذَانِ"أي صاحب الإِبل والبقر"وَوَلَّدَ هَذَا"أي صاحب الغنم."فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنْ إِبِلٍ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ بَقَرٍ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ غَنَمٍ"."

ثُمَّ إنَّ اللهَ تَعَالىَ قَدَّر على هَؤُلاءِ أَنْ يختبرهم وإنْ كان عَزَّ وَجَلَّ عَالِمًَا بحقيقة حالهم، لا يخفي عليه شكرهم وكفرهم ولكن إِنَّمَا ابتلاهم بذلك ليُظْهِرَ لخَلْقِهِ أحْوَالَهُم ويُجَازِيِهِم بِحَسَبِ أَعْمَالِهِم، فيكونوا عِبْرَةً لغيرهم. وهو معنى قوله:"ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِسْكِينٌ، تَقَطَّعَتْ بِيَ الحِبَالُ فِي سَفَرِي"أيْ ابْتَلانِي الله بِهذا الدَّاءِ العُضَالِ ويَئِسْتُ من الشِّفَاءِ ولَمْ يَبْقَ لِي أَمَلٌ فِي العافية حيث تَقَطَّعَتْ بِيَ حِبَالُ الآمال، وسُدَّتْ أَمَامِي أَبْوَابَ المعيشة وأَسْبَابَ الرِّزْقِ، وأَصْبَحْتُ فَقِيرًَا بَائِسًَا مِسْكِينًَا"فَلاَ بَلاَغَ اليَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ"أي فلا أحد يُوْصِلُنِي إلى تفريج كُرْبَتِي إلاّ الله، ثُمَّ أَنْت"أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الحَسَنَ، وَالجِلْدَ الحَسَنَ، وَالمَالَ، بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِي"أي يُوْصِلُنِي إلى بَلَدِي."فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الحُقُوقَ كَثِيرَةٌ"أيْ إِنَّ النَّفَقَاتِ التي تلزمني كثيرة، وهي أَوْلَى منك،"فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ، فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ؟"أي فأعطاك اللهُ الصِّحَّةَ والمَالَ."فَقَالَ: لَقَدْ وَرِثْتُ لِكَابِرٍ عَنْ كَابِرٍ"وفِي رواية:"كَابِرًَا عَنْ كَابِرٍ"، أي ورثت هذا الغِنَى والعِزِّ والشَّرَفِ أَبًَا عن جَدٍّ"فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ"أي إلى ما كُنْتَ عليه من دَاءِ البَرَصِ وَالفَقْرِ.

"وَأَتَى الأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ لَهُ: مِثْلَ مَا قَالَ للأَبْرَصِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ الأَبْرَصُ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ"عليه من الفَقْرِ وَسُوءِ الحَالِ، والقَرَع وسُوءِ المَنْظَرِ.

"وَأَتَى الأَعْمَى فِي صُورَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ إلخ"يعني فَقَالَ له المَلَكُ مثل ما قال لِصَاحِبَيْهِ، ولَكِنَّ الأَعْمَى لم يكن مثل صَاحِبَيْهِ كَافِرًا النِّعْمَة،"فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ بَصْرِيّ،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت