فهرس الكتاب

الصفحة 1928 من 2668

الأَوْلَى، وَقيل: إِنَّمَا قَالَ: آيَةً، ليُسَارِعَ كُلُّ سَامِعٍ إِلَى تَبْلِيغِ مَا وَقَعَ لَهُ من الْآي، وَلَوْ قَلَّ لِيَشْمَلَ بذلك نَقْلُ جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"اهـ (1) ."

ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيْل وَلاَ حَرَجَ"وإِنَّمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك، لأنَّه لَمَّا هَاجَرَ إِلى المدينة نَهَى أصْحَابَهُ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ أَنْ ينظروا فِي كتبهم أو يَتَحَدَّثوا بأحاديثهم خَشْيَةَ أَنْ يكون فِي بعض هذه الأحاديث من الأخبار الكاذبة التي قَدْ يَضِلُّ بِهَا قَارِئُهَا، ويُفْتَتَنُ بِهَا سَامِعُهَا، وهم لا زالوا حَدِيثِي عهد بِهذا الدِّينِ، فمنعهم عن ذلك وِقَايَةً لهم، وحِرْصًَا على سَلامَةِ عَقِيدَتِهِم، فَلَمَّا تَمَكَّنَ الإِسْلامُ من النُّفُوسِ، ورَسَخَت العقائد، وأصبح لديهم من العلم الشَّرْعِيّ ما يُمَيِّزُونَ به الصَّحِيحَ منها، أَذِنَ لَهُم فِي سَمَاعِهَا والتَّحَدُّثِ بِهَا فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيْل وَلاَ حَرَجَ"وهو أَمْرُ تَرْخِيصٍ لَهُم بِسَمَاعِ الأحاديث الإِسْرَائِيْلِيَّةِ ورِوَايَتِهَا، وليس هو أمر وجوب، لأَنَّ الأمر إذا جَاءَ بعد النَّهْي اقْتَضَى الإِبَاحَةِ، ولهذا قال:"وَلاَ حَرَجَ"قال الحافظ:"لَا ضِيقَ عَلَيْكُمْ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُمْ لِأَنَّهُ كَانَ تَقَدَّمَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّجْرُ عَنِ الْأَخْذِ عَنْهُمْ وَالنَّظَرِ فِي كُتُبِهِمْ ثُمَّ حَصَلَ التَّوَسُّعُ فِي ذَلِكَ وَكَأَنَّ النَّهْيَ وَقَعَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْأَحْكَامِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالْقَوَاعِدِ الدِّينِيَّةِ خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ ثُمَّ لَمَّا زَالَ الْمَحْذُورُ وَقَعَ الْإِذْنُ فِي ذَلِكَ؛ لِمَا فِي سَمَاعِ الْأَخْبَارِ الَّتِي كَانَتْ فِي زَمَانِهِمْ مِنْ الِاعْتِبَارِ. وَقِيلَ مَعْنَى قَوْلِهِ:"لَا حَرَجَ"لَا تَضِيقُ صُدُورُكُمْ بِمَا تَسْمَعُونَهُ عَنْهُمْ مِنَ الْأَعَاجِيبِ فَإِنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُمْ كَثِيرًا وَقِيلَ لَا حَرَجَ فِي أَنَّ لَا تُحَدِّثُوا عَنْهُمْ، لِأَنَّ قَوْلَهُ أَوَّلًا حَدِّثُوا صِيغَةُ أَمْرٍ تَقْتَضِي الْوُجُوبَ فَأَشَارَ إِلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ وَأَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلْإِبَاحَةِ بِقَوْلِهِ وَلَا حَرَجَ أَيْ فِي تَرْكِ التَّحْدِيثِ عَنْهُمْ"اهـ (2) .

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أولًا: وجوب تبليغ كلِّ ما تَحَمَّله العالِم من كلام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على قدر ما عنده، كثيرًا كان أو قليلًا، ولو آية واحدة، أو حديثًا واحدًا، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً".

ثانيًا: أنَّه لا مانع من رواية الأخبار، وَأخْذَها عن بني إِسْرَائِيْل من اليهود والنَّصارى، للموعظة والاعتبار. فيما لم نتأكد من أنَّهُ كَذِبٌ وبَاطِلٌ لمخالفته للقرآن أو الحديث، أمَّا الإِسْرَائِيْليات التي نقطع بكذبها فإنَّه لا يجوز لنا روايتها إلاّ لتكذيبها وبيان بطلانها، قَالَ الشَّافِعِيُّ:"مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُجِيزُ التَّحَدُّثَ بِالْكَذِبِ فَالْمَعْنَى حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا لَا تَعْلَمُونَ كَذِبَهُ وَأَمَّا مَا تُجَوِّزُونَهُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ فِي التَّحَدُّثِ بِهِ عَنْهُمْ وَهُوَ نَظِيرُ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت