"فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَعَرَفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجْهِي الَّذِي لَقِيتُ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا لَكَ؟» ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا رَأَيْتُ كَاليَوْمِ قَطُّ!"أي ما رأيت أشد على نفسي منه"عَدَا حَمْزَةُ عَلَى نَاقَتَيَّ، فَأَجَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا، وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا، وَهَا هُوَ ذَا فِي بَيْتٍ مَعَهُ شَرْبٌ! فَدَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرِدَائِهِ، فَارْتَدَى، ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي وَاتَّبَعْتُهُ أَنَا وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ حَتَّى جَاءَ البَيْتَ الَّذِي فِيهِ حَمْزَةُ، فَاسْتَأْذَنَ، فَأَذِنُوا لَهُمْ، فَإِذَا هُمْ شَرْبٌ"،"فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلُومُ حَمْزَةَ فِيمَا فَعَلَ، فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ"، أي فبدأ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلُومُ حَمْزَةَ فِيمَا فَعَلَهَ بِنَاقَتَيْ عَلِيٍّ، فإذا هو قد شَرِبَ وسَكِرَ؛"مُحْمَرَّةً عَيْنَاهُ"أي حال كونه قد احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ من السُّكْرِ"فَنَظَرَ حَمْزَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَر، فَنَظَرَ إِلَى رُكْبَتِهِ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَر، فَنَظَرَ إِلَى سُرَّتِهِ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَر، فَنَظَرَ إِلَى وَجْهِهِ"أي فجعل يُصَوِّبُ نظره أولًا إلى ركبة النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ إلى سُرَّتِهِ ثُمَّ إلى وجهه"ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ: هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي؟"قال القَسْطَلانِيّ:"يريد والله أعلم أنَّ عبد الله وَأَبا طَالب كَانَا كَأَنَّهُمَا عَبْدَانِ لعبد المُطَّلِب فِي الخضوع لِحُرْمَتِهِ، وَأَنه أقرب إِلَيْهِ مِنْهُمَا"؛"فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَدْ ثَمِلَ، فَنَكَصَ (3) رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَقِبَيْهِ القَهْقَرَى"أي فعرف أنَّهُ فِي حَالَةِ سُكْرٍ لا يَعِي ما يقوله؛ ولا يلام على ما يصدر منه، فعاد وتركه.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: أولًا: مَشْرُوعِيَّةُ فرض الخُمُسِ من الغنيمة، وأنَّهُ يجب أخذه منها، وصرفه فِي مصارفه كما قال تَعَالَى: (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) ويُقَسَّمُ الخُمُسَ على خَمْسَةِ أَسْهُمٍ:
(أ) سَهْمٌ لله ورسوله: ويُنْفَقُ مِنْهُ على الفقراء والسِّلاح والجهاد، ونحو ذلك من المصالح العامة.
(ب) سَهْمُ ذوي القُرْبَى: أي أقرِبَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي المُطَّلِبِ الذين آزروه وناصروه، ويستوي فيهم الغني والفقير، والقريب والبعيد، والذَّكَر والأُنْثَى، للذَّكَرِ مثل حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ.
(ج) سَهْمُ اليَتَامَى من أطفال المُسْلِمينَ ويُخْتَصُّ بِفُقَرَائِهِم.
(د) سَهْمُ المَسَاكِينِ.
(و) سَهْمُ ابْنُ السَّبِيلِ وهو المُسَافِرِ.
تَكْمِلَةٌ: قال فِي"عون المعبود":"أَنَّ خُمُس الْغَنِيمَة يُقْسَم عَلَى خَمْسَة أَسْهُم. سَهْم لِرَسُولِ اللَّه كَانَ لَهُ فِي حَيَاته وَالْيَوْم هُوَ لِمَصَالِح الْمُسْلِمِينَ وَمَا فِيهِ قُوَّة الْإِسْلَام، وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد"