فهرس الكتاب

الصفحة 1766 من 2668

التَّطَّيُرِ والتَّشَاؤمِ، ونَفْي وجوده فِي أيِّ شَيْءٍ من الأَشْيَاءِ حيث قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ"فكيف يَنْفِي التَّشَاؤمَ فِي بعض الأحاديث ويثبته في أحاديث أخرى، لذلك فقد وقف علماء الإِسلام من حديث الباب ثَلاثَةَ مَوَاقِفْ:

فمنهم من خَطَّأ أَبَا هُرَيْرَةَ، وقال: إنَّه لَمْ يَحْفَظِ الحديث بلفظه الصَّادِرِ من النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما قالت عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.

ومنهم من قَبِلَ هذا الحديث على ظاهره وقال بوجود النَّحْسِ فِي هذه الأمور الثَّلاثَةِ، ومنهم ابن قتيبة.

ومنهم من تَأَوَّلَهُ بأنَّ"المُرادَ بِالشُّؤْمِ هُنَا عَدَمُ الْمُوَافَقَةِ وَعَدمُ ملاءمة الشَّيْءِ، أو سوء طبعه؛ فَقَالُوا: شُؤْمُ الدَّارِ ضِيقُهَا وَسُوءُ جِيرَانِهَا وَأَذَاهُمْ. وَشُؤْمُ الْمَرْأَةِ عَدَمُ وِلَادَتِهَا وَسَلَاطَةُ لِسَانِهَا وَتَعَرُّضُهَا لِلرَّيْبِ. وَشُؤْمُ الْفَرَسِ أَنْ لا يُغْزَى عَلَيْهَا وَقِيلَ حِرَانُهَا وَغَلَاءُ ثَمَنِهَا. وَشُؤْمُ الْخَادِمِ سوء خلقه وَقِلَّةُ تَعَهُّدِهِ لِمَا فُوِّضَ إِلَيْهِ"اهـ (3) .

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أَوَّلًا: أَنَّ لهذه الأشْيَاءِ الثَّلاثَةِ: الْمَرْأَةِ، وَالدَّارِ، وَالدَّابَّةِ، أَهميةٌ عُظْمَى، وأثرٌ كبيرٌ فِي حياةِ الإِنْسَان، فإنْ كانت المرأة ملائمة لزوجها خلقيًا، متفاهمة معه نَفْسِيًَّا، مخلصة له، مطيعة وفية، وكانت الدَّار صحية واسعة، مناسبة له ولأسرته، وكانت الفَرَسُ أو السَّيَّارَةُ التي يركبها قويةً مُريحَةً، ارتاح الإِنسان فِي حياته، وشعر بالسَّعَادَةِ وأحسَّ بالاطمئنان والاستقرار النفسي. أمَّا إذا كانت الزَّوجة غير صَالِحَةٍ، أو الدَّار غير مناسبة، أو الفَرَسُ أو السَّيَّارَةُ غير مُرِيِحَةٍ، فإنَّ الإِنْسان يشعر بالتَّعَاسَةِ والقلق، ويتعب جِسْمِيًَّا وَنَفْسِيًَّا معًا، وهذا هو المقصود بالحديث، حيث إنَّه عبارةٌ عن التَّعَبِ النَّفْسِي الذي يعانيه الإِنْسَانُ بسبب عدم ملاءمة هذه الأشياء وصلاحيتها.

ثَانِيًَا: أنَّهُ ينبغي للمرء إذا أراد أَنْ يَتَزَوج امرأة أو يسكن دارًا أو يقتني فَرَسًَا، أو سَيَّارَةً أنْ يَتَحَرَّى كُلَّ التَّحَرِّي فِي اختيارها، وأنْ يتحقق من صلاحيتها وملاءمتها له، ليَتَمَكَّن من الاسْتِمْتَاعِ بِهَا، لا سيما المرأة الصَّالِحَة، فإنَّ لها دورًا كبيرًا فِي نجاح زَوْجِهَا وصلاحه فِي الدُّنْيَا والآخرة. أمَّا ما رواه ابن القاسم عن مالك:"أنَّه سُئِلَ عن هذا الحديث فقال:"كَمْ مِنْ دَارٍ سَكَنَهَا نَاسٌ فَهَلَكُوا!" (4) ، فإنَّ قَوْلَهُ هذا لَيْسَ نَصًَّا على وجود النَّحْسِ فيها، لاحتمال أنَّه أراد أنَّ موت النَّاسِ في ديارهم ظاهرةٌ عامةٌ، فَقَلَّمَا يوجد بَيتٌ لم يَمُتْ فيه جماعة من النَّاسِ فَكَأنَّه يقول للسَّائِلِ:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت