المفقودة، وأنَّ شَهَادَتَهُمَا وَيَمِينَهُمَا أصدق من شَهَادَةِ الرَّجُلَيْنِ ويَمِينِهِمَا، فَنَزَلَتْ الآيَةُ المذكورة.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: سَبَبُ نِزُولِ الآية الكريمة، وهو ما تضمنته هذه القِصَّةِ المذكورة فِي الحديث، وهذا ما ترجم له البُخَارِيّ.
ثَانِيًَا: تَأكِيدُ الوَصِيَةِ والإِشْهَادِ عليها فِي السَّفَرِ.
ثَالِثًَا: تَكْلِيفُ الشَّاهِدَيْنِ باليمين عند ارتياب الوَرَثَةِ فيقسمان باللهِ قائلين:"نُقْسِمُ بِاللهِ على كَذَا، وعلى أنَّنَا لَمْ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذًَا لَّمِنَ الآثِمِينَ."
رَابِعًَا: أنَّهُ إذا ظهر ما يَدُلُّ على خِيَانَتِهِمَا، رُدَّتْ اليَمِينُ إلى أَقْرَبِ الوَرَثَةِ،"فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ".
خَامِسًَا: قال الحافظ:"وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ شَهَادَةِ الْكُفَّارِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَيْرِ الْكُفَّارُ وَالْمَعْنَى مِنْكُمْ:"أَيْ مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ"أَوْ آخَرَانِ من غَيْركُمْ:"أَيْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ دِينِكُمْ". وَبِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ تَبِعَهُ. وَتُعُقِّبَ: بِأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِظَاهِرِهَا فَلَا يُجِيزُ شَهَادَةَ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ وَإِنَّمَا يُجِيزُ شَهَادَةَ بَعْضِ الْكُفَّارِ عَلَى بَعْضٍ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ بِمَنْطُوقِهَا عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ؛ وَبِإِيمَائِهَا عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الْكَافِرِ عَلَى الْكَافِرِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. ثُمَّ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ فَبَقِيَتْ شَهَادَةُ الْكَافِرِ عَلَى الْكَافِرِ عَلَى حَالِهَا. وَخَصَّ جَمَاعَةٌ الْقَبُولَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ وَبِالْوَصِيَّةِ وَبِفَقْدِ الْمُسْلِمِ حِينَئِذٍ. مِنْهُمُ: بن عَبَّاسٍ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَشُرَيْح وبن سِيرِينَ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَحْمَدُ؛ وَهَؤُلَاءِ أَخَذُوا بِظَاهِرِ الْآيَةِ وَقَوَّى ذَلِكَ عِنْدَهُمْ حَدِيثُ الْبَابِ فَإِنَّ سِيَاقَهُ مُطَابِقٌ لِظَاهِرِ الْآيَةِ"اهـ (2) .
والمطابقة: فِي كَوْنِ القِصَّةِ المذكورة سَبَبًَا فِي نزول هذه الآية.
(1) قال فِي التفسير من"سنن سعيد بن منصور محققًا":"وهذه القصة أَخْرَجَهُا التِّرْمِذِيّ في"جامعه" (8/ 426 - 432 رقم 5052) فِي تفسير سورة المائدة من كتاب التفسير، من طريق محمد بن إِسْحَاق، عن أبي النَّضْر، عن باذان مولى أم هانئ"اهـ. وقال فِي"الإصابة فِي تمييز الصَّحَابَة":"قلت: أبو النّضر هو محمّد بن السّائب الكلبيّ: ضعيف". وأَخْرَجَهُ ابن مندة من طريق محمد بن مروان السّدّيّ عن الكلبيّ، فقال: بديل بن أبي مارية، قال: وكان مُسْلِما"ج 1 ص 408."
(2) "فتح الباري"لابن حجر: ج 5 ص 412.