حَبَسْته. وَهُوَ شَرْعًا: حَبْسُ مَالٍ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ بِقَطْعِ التَّصَرُّفِ فِي رَقَبَتِهِ عَلَى مَصْرِفٍ مُبَاحٍ. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ أَوْ عِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْوَقْفِ لِأَنَّهُ فَسَّرَ الْعُلَمَاءُ الصَّدَقَةَ الْجَارِيَةَ بِالْوَقْفِ وَكَانَ أَوَّلُ وَقْفٍ فِي الْإِسْلَامِ وَقْفَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْآتِي حَدِيثُهُ كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ أَوَّلَ حَبْسٍ فِي الْإِسْلَامِ صَدَقَةُ عُمَرَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْلَمُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ خِلَافًا فِي جَوَازِ وَقْفِ الْأَرْضِينَ، وَأَشَارَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ الْإِسْلَامِ لَا يُعْلَمُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَلْفَاظُهُ وَقَفْت وَحَبَسْت وَسَبَّلْت وَأَبَّدْت فَهَذِهِ صَرَائِحُ أَلْفَاظِهِ، وَكِنَايَتُهُ تَصَدَّقْت، وَاخْتُلِفَ فِي حَرَّمْت فَقِيلَ صَرِيحٌ وَقِيلَ غَيْرُ صَرِيحٍ"اهـ (1) . وقال بعضهم:"هو حبس الأصل وتسبيل الثَّمرة، أي وصرف منافعه فِي الأقارب ويسمّى بـ"الوقف الأهلي" (2) ، أو فِي جهة من جهات الخير ويسمّى بـ"الوقف الخِيري".
ثانيًا: مشروعية كتابة الوقف في كتاب يكتب فيه هذه الشُّرُوطِ المَذْكُورةِ، وغيرها من الشُّرُوطِ المَشْرُوعَةِ، والجهة الموقف عليها، كما فعل عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
ثالثًا: مشروعية تعيين ناظر للوقف بأجر معين، ونسبة محددة يتقاضاها من غلته، لقوله في حديث الباب:"لاَ جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ"ولقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في حديث أبي هريرة:"مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي، وَمَئُونَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ"أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد.
رابعًا: شذ الإمام أبو حنيفة رحمه الله فأجاز بيع الوقف ورجوع الواقف فيه. ومذهبه مخالف لنص الحديث ولذا قال صاحبه أبو يوسف: لو بلغ أبا حنيفة هذا الحديث (حديث عمر) لقال به، ورجع عن بيع الوقف. وقال القرطبي: الرجوع فِي الوقف مخالف للإجماع فلا يلتفت إليه. وذهب مالك والشافعي: إلى لزوم الوقف وعدم جوازه وصحة بيعه بحال، أخذًا بعموم الحديث"لاَ يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلاَ يُوهَبُ وَلاَ يُورَثُ إلخ". وذهب الإمام أحْمَدُ إلى قَوْلٍ وَسَطٍ: وهو أنَّهُ لا يَجُوزُ بيعه ولا الاستبدال به إلا أنْ تَتَعَطَّلَ منافعه بالكلية، ولَمْ يُمْكِنْ الانتفاع به، ولا تعميره وإصلاحه، فإنْ تَعَطَّلَتْ منافعه، جاز بيعه واستبداله بغيره. اسْتَدَلَّ على ذلك بِفِعْلِ عُمَرَ حين:"قَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - وَقَدْ بَنَى سَعْدٌ الْقَصْرَ، وَاتَّخَذَ مَسْجِدًا فِي أَصْحَابِ النَّمِرِ، فَكَانَ يَخْرُجُ إِلَيْهِ فِي الصَّلَوَاتِ، فَلَمَّا وَلِيَ عَبْدُ اللَّهِ بَيْتَ الْمَالِ، نَقِبَ بَيْتُ الْمَالِ، فَأَخَذَ الرَّجُلَ. فَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ عُمَرُ أَنْ لَا تَقْطَعَهُ، وَانْقُلِ الْمَسْجِدَ، وَاجْعَلْ بَيْتَ الْمَالِ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ، فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ فِي الْمَسْجِدِ مَنْ يُصَلِّي، فَنَقَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَخَطَّ هَذِهِ الْخُطَّةَ، وَكَانَ"