اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ، تَأْمُلُ (1) الغِنَى، وَتَخْشَى الفَقْرَ، وَلاَ تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ لِفُلاَنٍ كَذَا، وَلِفُلاَنٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلاَنٍ» "."
ـــــــــــــــــــــــــــــ
837 -الحديث: أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ ومُسْلِم والنَّسَائِيّ وأَبُو دَاوُد.
معنى الحديث: أَنَّ أَحَدَ الصَّحَابَةِ سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أَفْضَلِ أَوْقَاتِ الصَّدَقَةِ، وأعظمها أجرًا، وأكثرها مَثُوبَةً، فقال:"أَنْ تَصَدَّقَ (2) وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ"أي فِي وقت صحتك، واستكمال قواك الجسمية، حيث يكون قلبك متعلقًا بالمال، حَرِيصًَا عليه، مُتَطَلِّعًَا إلى تنميته وزيادته، فإذا سارعت إلى الصَّدَقَاتِ، فِي وجوه الخير، وبادرت إلى قَضَاءِ مَا عليك من الدُّيوُنِ وأنت على هذه الحال، كان أفضل لك من أنْ تُمْسِكَ مالك فِي حال صِحَّتِكَ وقُوَّتِكَ،"حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ"أي حتَّى إذا دَنَتِ المَنِيَّةُ وَوَصَلَتْ الرُّوُحُ إلى مَجْرَى الطَّعَامِ وأَوْشَكَتْ على الخُرُوجِ:"قلت: لفلان كذا ولفلان كذا"أي تبرعت من مالك بعد وفاتك لفلان وفلان،"وقد كان لفلان"أي وبينت الدَّيْن الذي عليك لفلان ليُسَدَّد من تَرِكَتَك.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: جَوَازُ الْوَصِيَّةِ لأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما في حديث الباب: لما سئل"أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ، ... إلخ الحديث."
ثانيًا: أَنَّ الوَفَاءَ بالدَّيْنِ والمبادرة إلى قضائه فِي حال الحياة أفضل من وصية الوَرَثَةِ بقضائه بعد الموت، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَلاَ تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ لِفُلاَنٍ كَذَا، وَلِفُلاَنٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلاَنٍ"فإنَّ المراد بقوله:"وَقَدْ كَانَ لِفُلاَنٍ"الإِقرار بالدَّيْن كما أفاده"الحافظ"رحمه الله.
ثالثًا:"الوصية قسمان: أ- مستحب. ب- وواجب. فالمستحب، ما كان للتَّطَوُّعَات والقُرُبَات. والواجب فِي الحقوق الواجبة، التي ليس بَيِّنَةٌ تثبتها بعد وفاته لأنَّ"ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب". وذكر ابن دقيق العيد أنَّ هذا الحديثَ مَحْمُولٌ على النَّوْع الواجب."
رابعًا: مشروعية المبادرة إليها، بيانًا لها، وامتثالًا لأمر الشَّارِع فيها، واستعدادًا للموت. وتبصُّرًا بِهَا وبِمَصْرَفِهَا، قبل أنْ يشغله عنها شاغِلٌ" (3) ."
خامِسًا: أنَّ الصَّدَقَة فِي الحياة وفِي حَالِ الصِحَّةِ أفضل من الوَصِيَّةِ والتَّبَرُّعِ بِشَيْءٍ من المال يعود إليه بعد الموت ثوابه وأجره. وهي من لطف الله بعباده ورحمته بهم، ولهذا جاء فِي بعض