وهو الصُّورة الباطنة من الأخلاق والفَضَائل."وَقَالَ لِزَيْدٍ: «أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلاَنَا» "أي أخونا في الإِسلام وعتيقنا، والْوَلاء لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: مَشْرُوعِيَّةُ الصُّلْحِ مع الكُفَّار، وعقد الاتفاقيات والمعاهدات السِّياسِيَّة والعسكرية. معهم لصالح المُسْلِمين، كما فعل النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ حيث صالحهم هذا الصُّلْح الذي كان فتحًا مبينًا للمُسْلِمين على الرَّغم مِمَّا وقع فِيهِ من تنازلاتٍ عظيمةٍ ثُمَّ إنَّ هذا الصُّلْح كان بِأَمْرٍ إِلَهِيٍّ لا مَجَالَ فيه للرأي والاجتهاد، فلا يَحِقُّ لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: كيف فعل كذا؟
ثانيًا: أَنَّ عَقْدَ الصُّلْحِ يكون بصيغة المُصَالَحَةِ الصَّرِيحَةِ كقوله: هذا ما صَالَحَ فُلانُ بْنِ فُلانٍ فُلانَ بْنِ فلانٍ، وهو ما ترجم له البُخَارِيّ، أو بما يَدُلُّ على المُصَالَحَةِ كما في نَصِّ الحديث.
ثالثًا: جَوَازُ المُصَالَحَةِ مع المُحَارِبِينَ لمُدَّةٍ محدودةٍ، وهو ما يسمى في التَّعبير الحديث بالهُدْنَةِ المؤقتة، قَالَ العَيْنِيُّ:"واختلفوا فِي المدة، فقيل لا تتجاوز عشر سنين، وبه قال الشَّافِعِيّ والجمهور".
قال فِي"مرقاة المفاتيح":"قَالَ الْقَاضِي: إِنَّمَا هَادَنَهُمْ عَشْرَ سِنِينَ لِضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ وَهِيَ أَقْصَى مُدَّةِ الْمُهَادَنَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، فَلَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِقِتَالِ الْكُفَّارِ فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ، فَلَا يُسْتَثْنَى مِنْهُ إِلَّا الْقَدْرُ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ إِذِ الصُّلْحُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ، فَغَزَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ الْفَتْحُ ضَعْفُهُ ظَاهِرٌ، وَقِيلَ: لَا حَدَّ لَهَا؛ وَأَنَّ تَقْدِيرَ مُدَّتِهَا مَوْكُولٌ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ وَاقْتِضَاءِ الْحَالِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: لَا يَقْتَصِرُ جَوَازُ مُدَّةِ الْمُوَادَعَةِ عَلَى الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ عَشْرُ سِنِينَ؛ لِأَنَّ مَا عَلَّلَ جَوَازَهَا بِهِ هُوَ حَاجَةُ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ ثُبُوتُ مَصْلَحَتِهِمْ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِأَكْثَرَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ تَكُنِ الْمُوَادَعَةُ، أَوِ الْمُدَّةُ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ تَرْكٌ لِلْجِهَادِ صُورَةً وَمَعْنًى وَمَا أُبِيحَ إِلَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ جِهَادٌ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِذَا كَانَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِلَّا فَهُوَ تَرْكٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مِنْ مَنْعِهِ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ غَيْرُهُ مُسْتَظْهِرٌ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ"اهـ (2) .
رابِعًَا: قال القَسْطَلانِيّ:"واستُنْبِطَ مِنْهُ أنَّ الخَالَةَ مُقَدَّمَةٌ في الحضانة على العَمَّةِ لأنَّ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كانت موجودة حينئذٍ وإذا قُدِّمَتْ على العَمَّةِ مع كونها أقرب العَصَبَات من النِّسَاءِ فهي مُقَدَّمَةٌ على غيرها"اهـ (3) ."هذا وقد اختلف العُلَمَاءُ فِي الخَالَةِ والأُخْتِ أيهما أَوْلَى بالحضانة، قَالَ:"وَالْأُخْت من الْأَب هَل هِيَ أَوْلَى بالحضانة أم لَا؟ قَالَ أَبُو حنيفَة: