الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ والنَّسَائِيُّ وابْن مَاجَة.
معنى الحديث: أَنَّ أبَا ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سأل النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أَفْضَلِ الأعمالِ؟ فَأَجَابَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ» ؛ أي أنَّ أفضلَ الأعمالِ وأكثرها ثوابًا على الإِطلاقِ الإِيمان بالله ويدخل فيه التَّصْدِيق بكل ما جاء به الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واعتقاد أنَّه حَقٌّ لا شك فيه. ويليه في المرتبة كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ"أيْ فِي سبيل الله لنشر دينه، وإعلاءِ كلمتِهِ، لا لقوميةٍ ولا عصبيةٍ، ولا رياءً ولا سُمْعَةً، قال أبو ذر:"قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟": يعني أي الرِّقاب في العتق أفضل وأعظم أجرًا"قَالَ: أَعْلاَهَا ثَمَنًا"أي أرفعها قيمة وسعرًا فِي الأَسْواق التُّجَارية"وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا"اسم تفضيل، أي وأفضلها أَيْضًَا: أحبها وأكرمها عند أصحابِها، وأكثرها رغبة عند أهلها، وأَعَزَّهَا فِي نفوس مالكيها، لأنَّ عتق العبد أو الجارية النفيسة دليلٌ على قوة إخلاص سَيِّدِها.
"قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟"أيْ فإِنْ لَمْ أَقْدِر على عتق الرِّقابِ لأنَّي لا أملك مالًا"قَالَ: تُعِينُ ضَايِعًا"أي تعين صاحب مهنة على مهنته، أو أي عامل على عمله، وروى الدَّارَقُطنِيّ"ضَائِعًا"بالضَّاد المعجمة؛ قال الحافظ:"وَقَدْ وُجِّهَتْ رِوَايَةُ هِشَامٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالضَّائِعِ ذُو الضَّيَاعِ مِنْ فَقْرٍ أَوْ عِيَالٍ فَيَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْأَوَّلِ"اهـ (2) ،"أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ"وهو الذي لا يُحْسِنُ العمل، ومعنى تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ أي ترشده وتوجهه أو تعمل له العمل الذي لا يقدر عليه. قال أبُو ذَرّ:"قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟"أي فإن لم أستطع مساعدة العامل على عمله لعجز بدني أو مهني أو لم أسْتَطِعْ مساعدة الفقير لأنَّي فقيرٌ مثله،"قَالَ: تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ"أي تكف شَرَّك وأَذَاك عن النَّاسِ فيُحْسَبُ لك ذلك عند الله، وتُؤْجَرُ عليه أَجْرَ الصَّدَقَةِ وثَوَابِهَا.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: أَنَّ أفْضَلَ الرِّقَابِ فِي العِتْقِ وأكثرها ثَوَابًَا أغلاها ثَمَنًَا وأحبها إلى نَفْسِ سَيِّدِهَا، لأنَّ المُعْتَقَ فِي هذه الحالة يفارق أعزَّ النَّاسِ عنده، وذلك من أصعب الأمور وأشقها على النَّفس البشرية، وأعظمها جهادًا لها، فإذا تغلب على نفسه وهواه، وأعتق من يحبه ويهواه دَلَّ ذلك على قوة دينه وإيمانه ويقينه.
ثَانِيًَا: أنَّ أفْضَلَ الأعمال على الإِطلاق الإِيمان بالله: عقيدة وقولًا وعملًا، لأنَّه أساسَ كل خيرٍ ومصدرَ كُلِّ سعادةٍ، وشَرْطٌ فِي قُبُولِ جَمِيعِ الأعمال الشَّرْعِيَّةِ، وصحتها شرعًا، ويليه الجهاد، لما فيه من حِمَايَةِ الدِّيْنِ، سَوَاءٌ كان جهادًا للنَّفْسِ أو جهادًا للعدو.