الحديث: أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ.
معنى الحديث: أَنَّ رَجُلًا وهو"سُوَيْدٌ الجُهَنِيِّ" (1) "سأل النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن حكم اللُّقَطَةِ أي المَالِ الضَّائِعِ إذا وجده المُسْلِمُ ماذا يصنع به؟"فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا (2) وَوِكَاءَهَا"، أي تَعَرَّف على جَمِيعِ مُمَيِّزَاتِهَا وعَلامَاتِهَا من شكل الوِعَاءِ والحَبْلِ ولَوْنِهِمَا،"ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً"، أيْ أَعْلِنْ للنَّاسِ عن وجود متاعٍ ضائعٍ عندك لمدة سنة كاملة، ويكون ذلك فِي أوّل الأمر مَرَّتَيْنِ يوميًا أول (3) النَّهار وآخره، ثُمَّ مَرَّةً وَاحِدَةً في اليوم، ثُمَّ مَرَّةً فِي الأُسْبُوعِ، وإِنَّمَا أمر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتعريفها لمحاولة إيصالها إلى صاحبها"فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا"أي فإنْ حضر صاحبها خلال السَّنَةِ فَسَلِّمْهَا له،"وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا"أي وإنْ لَمْ يحضر صاحبها بعد سَنَةٍ فتصرف فيها."
وفِي رواية أخرى:"ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا"، فإنْ جَاءَ رَبُّهَا خلال السَّنَةِ، وذكر علاماتِهَا المُمَيِّزَةِ لَهَا من شكل ولون ووعاء ونحوه، وكانت موجودة لديك بعينها فسلمها له، وإن ْكُنْتَ قَدْ تَصَرَّفْتَ فيها فعليك ضَمَانِها، فادفع إليه قِيمَتَهَا وثَمَنَهَا."قَالَ: فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟"أي فما حكم الشَّاةِ الضَّائِعَةِ هل ألتقطها أَيْضًَا؟"قَالَ: «هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ» "أي فأمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضمنًا بأخذها لأنَّه إنْ لَمْ يأخذها هو أَخَذَهَا غَيْرُهُ من النَّاسِ، فَإِنْ لَمْ يأخذها هو ولا غيره كانت طعامًا للذِّئابِ وللسِّباعِ."قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟"أي فسأله عن الجَمَل الضَّائعِ أو النَّاقَةِ الضَّائعَةِ"قَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا؟!"وهذا استفهام إنكاري، أي لِمَ تأخذها وهِيَ لا حَاجَة لها بك"مَعَهَا سِقَاؤُهَا، وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ المَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ"أيْ لا دَاعِيَ لأَخْذِهَا أَبَدًَا، لأَنَّهَا تَوَفَّرَتْ لَهَا كل أسباب المعيشة من حِذَاءٍ قَوِيٍّ صَلْبٍ تَسِيرُ عليه، وهو خُفِّهَا، وسِقَاءٌ ضَخْمٌ تَحْفَظُ بِهِ المَاءَ وهو بطنها؛ ثم هذا هو العشب بين يديها، والماء موجود ترده ولو بعد أيام فتختزنه فِي بطنها فيرويها؛"حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا".
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: مَشْرُوعِيَّةُ الْتِقَاطِ اللُّقَطَةِ واسْتِحْبَابِهِ حِفْظًَا لمَالِ المُسْلِمِ، وَصِيَانَةً لَهُ عَنْ الضَّيَاعِ، وهو مَذْهَبُ أَبِي حَنِيْفَةَ والشَّافِعِيّ. وقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ:"تَرْكُ التِقَاطِهَا أَفْضَل لِحَدِيثِ:"ضَالَّةُ الْمُسْلِم حَرَقُ النَّارِ" (4) وَلِمَا يُخْشى، مِنَ الضَّمَانِ والدَّيْنِ. قَالَ فِي"المدونة":"قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا الْتَقَطَ لُقَطَةً دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ ثِيَابًا أَوْ عُرُوضًا أَوْ حُلِيًّا مَصُوغًا أَوْ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، كَيْفَ يَصْنَعُ بِهَا وَكَيْفَ يُعَرِّفُهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُعَرِّفُهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا لَمْ آمُرْهُ بِأَكْلِهَا. قُلْتُ: وَالْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ فِي هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ سَوَاءٌ، الدَّرَاهِمُ فَصَاعِدًا؟ قَالَ: نَعَمْ إلَّا أَنْ يُحِبَّ بَعْدَ السَّنَةِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا، وَيُخَيَّرُ صَاحِبُهَا إذَا هُوَ جَاءَ فِي أَنْ يَكُونَ لَهُ أَجْرُهَا أَوْ يُغْرِمُهَا لَهُ. قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ"اهـ (5) ."
وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أَنَّ الالْتِقَاطَ وَاجِبٌ، وتأوّلوا حديث الوعيد بِمَنْ أخذها للانتفاع بِهَا من أَوَّلِ الأمر؛ وهو رِوَايَةٌ عن الشَّافِعِيّ. واسْتُدِلَّ على وُجُوبِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) وولاية المؤمن للمؤمن تقتضي التقاط ماله"."