فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 2668

منه، تظهر آثاره على الْوَجْهِ حمرة أو صفرة، ولهذا عَرَّفَهُ بَعْضُهُم بأنَّه:"رِقَّةٌ تعتري وجه الإِنسان عند فعل القبيح، أو إرادة النفس له". والحياءُ نَوْعَانِ: فِطْرِي وشَرْعِي. والمراد في هذا الحديث"الحياء الشَّرْعِيّ"الذي هو في الحقيقة حياء من الله تعالى كما قال أبو حازم للخليفة سليمان بن عبد الملك:"عَظِّمْ رَبَّكَ ونَزِّهْهُ أَنْ يَرَاكَ حَيْثُ نَهَاكَ أوْ يَفْقِدُكَ حَيْثُ أَمَرَك"، وهو بهذا المعنى أقوى باعث على الخير، ورادع عن الشَّرِّ، ولذلك كان من الإِيمان، بل من كمال الإيمان.

قَالَ العَيْنِيُّ:"فَإِنَّ الْحَييّ يَخَافُ فَضِيحَةَ الدُّنْيَا وفَظَاعَةَ الْآخِرَةِ فَيَنْزَجِرُ عَن الْمَعَاصِي ويَمْتَثِلُ الطَّاعَاتِ كُلِّهَا"اهـ. ولهذا أَفْرَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحَيَاءَ بِالذِّكْرِ دُونَ سَائِرِ الأَخْلاق الأُخْرى، فقال:"وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ".

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أوَّلًا: أَنَّ الأعْمَالَ جُزْءٌ من الإيِمَانِ كما يَقُولُ جُمْهُورُ أهْلِ السُّنَّةِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً"ومن هذه الشُّعَبِ أعْمَال اللِّسْانَ والجَوَارِحِ.

ثانيًا: أَنَّ الإِسْلامَ دِينٌ أخْلاقِيٌّ، أَهَمُّ عَنَاصِرِ الأَخْلاقِ فِيهِ الحَيَاءُ، ولِهَذا قال فِي"فيض الباري":"وإِنَّمَا نَبَّه على كَوْنِ الحَيَاءِ شُعْبةً من الإيِمَانِ، لِكَوْنِهِ أَمْرًا خُلُقيًا، رُبَّمَا يَذْهَلُ الذِّهْنُ عن كَوْنِهِ من الإيِمَانِ، فَدَلَّ على أَنَّ الأَخْلاقَ الحَسَنَةَ أَيْضًا منه"اهـ (3) .

ثالثًا: أَنَّ الحَيَاءَ من اللهِ؛ كما قال الحليمي (4) :"هو طريق إلى فعل كل طاعة وترك كل معصية، فيفوز صاحبه بكمال الإِيمان فِي الدُّنْيَا ودخول الجنة فِي الآخرة، كما فِي الحديث عن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ، وَالإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ - أي يوصل إليها -، وَالْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ، وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ". أخرجه التِّرْمِذِيّ (5) ."

رابعًا: أَنَّ الحَيَاءَ كما أفاده الماوردي على ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ:

أحدها: الحَيَاءُ من اللهِ تَعَالَى، وَيَكُونُ بِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَالْكَفِّ عَنْ زَوَاجِرِهِ - وَهَذَا الْحَيَاءُ يَكُونُ مِنْ قُوَّةِ الدَّيْنِ وَصِحَّةِ الْيَقِينِ.

والثانِي: الحَيَاءُ من النَّاسِ، وَيَكُونُ بِكَفِّ الْأَذَى وَتَرْكِ الْمُجَاهَرَةِ بِالْقَبِيحِ، واجْتِنَابِ كُلِّ مَا يَدْعُو إِلَى إِسَاءَةِ الظَنِّ بِفَاعِلِهِ ولَوْ كَانَ بَرِيئًَا. فقد رُوِيَ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ أَتَى الْجُمُعَةَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ انْصَرَفُوا فَتَنْكَبَّ الطَّرِيقَ عَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت