فهرس الكتاب

الصفحة 1388 من 2668

"قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ"فأجاب بأنَّهُ جامع أهله فِي رَمَضَانَ. وفِي مرسل ابن المسيب عن سعيد بن منصور:"أصبتُ امرأتِي ظهرًا فِي رَمَضَانَ"،"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟"عبدًا أو أمة فتعتقه فيكون كفارة لك، أو هل لديك من المال ما تشتري الرَّقَبَةَ فتعتقها"قَالَ: لاَ"."قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟"أيْ مُتَوَالِيَيْنِ"قَالَ: لاَ"وفي رواية للبخاري"قَالَ: لَا أَقْدِرُ"وفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ:"وَهَلْ أَصَابَنِي الَّذِي أَصَابَنِي إِلَّا مِنْ الصِّيَامِ؟"."فَقَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا"وهكذا ذكر له النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنواع الكفارة الثَّلاثة فأجاب بأنَّهُ لا يَقْدِرُ على شَيْءٍ مِنْهَا، فَأَمَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالجلوس عنده، لينظر فِي أمره. فَبَيْنَمَا هو عنده جاء رَجُلٌ من الأَنْصَارِ إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ - وَالعَرَقُ المِكْتَلُ - أَيْ الزِّنْبِيلُ الكَبِيرُ-"، فسأل عنه النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم قال له: خذ هذا المِكْتَلُ من التَّمْرِ، فَتَصَدَّقْ به على سِتِّينَ مِسْكِينًا يكون كَفَّارَةً لَكَ،"فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا - يُرِيدُ الحَرَّتَيْنِ - أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي"أي ليس هناك داخل حُدُودِ المدينة التي بين الحرتين من هو أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فأنا أولى بِهَذِهِ الصَّدَقَةِ من غيري."فَضَحِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ"من حال هذا الرَّجُل الذي جاءه خائفًا على نفسه راغبًا في فدائها، فلما وجد الرُّخْصَةَ طمع أنْ يأكل ما أُعطيه من الكفارة"ثُمَّ قَالَ: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» "فأذن له أنْ يأكل كفارته وأنْ يَتَصَدَّق بها على نفسه.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أولًا:"وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ على من جَامَعَ فِي رَمَضَانَ عَامِدًَا"وهو قول عَامَّةِ العلماء؛ إلّا ما حُكِيَ عن الشَّعْبِيِّ وابن جبير والنَّخْعي أنَّ عليه القَضَاءَ فَقَطْ. أمَّا المُجَامِعُ نَاسِيًَا فلا يُفْطِرُ ولا كَفَّارَةَ عليه عِنْدَ الجُمْهُورِ لمفهوم حديث الباب. وقال مالك:"وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ" (2) . والحَدِيثُ حُجَّةٌ لِمَنْ خَصَّصَ الْكَفَّارَةَ بالجِمَاعِ عَمْدًَا لقَوْلِ السَّائِلِ:"هَلَكْتُ"أي عصيت الله ولا معصية فِي النِّسيان. واختلفوا فِي المرأة، فقال مالك وأَبُو حَنِيْفَةَ عليها:"القَضَاءُ والكَفَّارَةَ"، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ: قَوْلانِ، وعن أحْمَدَ رُوايَتَانِ؛ قال فِي"مسائل الإمام أحمد":"سَمِعْتُ أَحْمَدَ:"سُئِلَ عَمَّنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي رَمَضَانَ عَلَيْهَا كَفَّارَةٌ؟ قَالَ: مَا سَمِعْنَا أَنَّ عَلَى الْمَرْأَةِ كَفَّارَةٌ، وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: لَيْسَ الْكَفَّارَةُ عَلَى النِّسَاءِ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي الْمُحْرِمِينَ"اهـ (3) ."

ثانيًا: أنَّ الْكَفَّارَةَ تكون بِأَحَدِ الأنْوَاعِ الثَّلاثَةِ على التَّرتيب وجوبًا وهو مَذْهَب الجمهور، خِلافًَا لمالك وَأَحْمَد فِي رواية، ولا تسقط بالإعْسَارِ وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وأَبِي حَنِيْفَةَ خِلافًَا للجمهور. والحديث حجة على عدم سقوطها، فَإِنْ تَكَرَّرَ الجِمَاعُ فِي يومٍ واحدٍ فَالْكَفَّارَةُ واحدة إجماعًا، وإذا تكرر فِي يومين أو أيّام فَلِكُلِّ يَوْمٍ كَفَّارَةٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت