ح - لَيْسَ لِلُقَطَةِ الْحَرَمِ الْمَدَنِيِّ حُكْمٌ خَاصٌّ كَالْحَرَمِ الْمَكِّيِّ مِنْ عَدَمِ تَمَلُّكِهَا وَوُجُوبِ تَعْرِيفِهَا لِلأَبَدِ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ. هَذَا، وَقَدْ ذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ فِي إِعْلاَمِ السَّاجِدِ سَائِرَ خَصَائِصِ الْحَرَمِ الْمَدَنِيِّ وَأَحْكَامِهِ بِإِسْهَابٍ. وَبَعْضُ هَذِهِ الأَحْكَامِ تَخْتَصُّ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمُضَاعَفَةِ الثَّوَابِ، وَالْعِقَابِ، وَجَوَازِ شَدِّ الرِّحَال إِلَيْهِ وَنَحْوِهِمَا) (2) .
قال فِي"اللباب فِي الجمع بين السُنَّةِ والكتاب":"وَأما مَا رُوِيَ عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَحْرِيِمِ صَيْدِهَا، وَقَطْعِ شَجَرَهَا، فَإِنَّمَا كَانَ يَفْعَلَهُ إبْقَاءً (لزينتها) ليستطيبوها ويألفوها، كَمَا منع من هدم آطامها. وَأما مَا جَاءَ من إِبَاحَةِ سَلَبِ الَّذِي يَصِيدُ صَيْدَ الْمَدِينَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ عِنْدَنَا - وَالله أعلم - كَانَ فِي وَقْتٍ (كَانَتْ) الْعُقُوبَاتُ (الَّتِي) تَجِبُ بِالْمَعَاصِي فِي الْأَمْوَال، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِك فِي وَقْتِ نَسْخِ الرِّبَا، فَرُدَّتْ الْأَشْيَاءُ الْمَأْخُوذَةُ إِلَى أَمْثَالِهَا إِنْ كَانَ لَهَا أَمْثَالٌ، أَو إِلَى قِيَمِهَا إِنْ كَانَ لَا مِثْلَ لَهَا، وَجُعِلَتْ الْعُقُوبَةُ فِي انْتِهَاكِ الْحَرَمِ فِي الْأَبْدَانِ لَا فِي الْأَمْوَالِ"اهـ (3) . وقال صاحب"فيض الباري":"نَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَطْعِ أَشْجَارِهَا كَانَ لِغَرْضِ الإِبْقَاءِ عَلَى زَيِنَتِهَا وبَهْجَتِهَا وجَمْالِهَا الطَّبِيعِيِّ لا لأنَّهَا مُحَرَّمَةٌ تَحْرِيِمِ مَكَّةَ، قالوا: والدَّليل على ذلك أنَّه لا يترتب على قطع أشجارها جَزَاءٌ شَرْعِيٌّ كَأَشْجَارِ مَكَّةَ، وأنَّه أمر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقطع الأشجار عند بناء مسجده".
وفِي اسْتِدْلَالِهِمْ بذلك نظر! فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ على عَدَمِ تَحْرِيِمِهِ بِكَوْنِهِ لا يترتب عليه جَزَاءٌ شَرْعِيٌّ، فهو غير مُسَلَّمٍ، لأنَّ المَسْأَلَةَ خِلافِيَّةٌ؛ فَفِي الْقَوْلِ الْقَدِيمِ لِلشَّافِعِيِّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِيهِ الْجَزَاءُ؛ وهو مَذْهَبُ بَعْضِ المَالِكِيَّةِ خِلافًَا للجُمْهُورِ. وقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - فِي القديم:"يُؤْخَذُ سَلَبُ من فَعَلَ شَيْئًَا من ذَلِكَ"لأَنَّ سَعْدًا رَكِبَ إِلَى قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ، فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا، أَوْ يَخْبِطُهُ، فَسَلَبَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدٌ، جَاءَهُ أَهْلُ الْعَبْدِ فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلاَمِهِمْ، أَوْ عَلَيْهِمْ، مَا أَخَذَ مِنْ غُلاَمِهِمْ، فَقَالَ: مَعَاذَ اللهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ"أَخْرَجَهُ مُسْلِم وأَبُو دَاوُد والبَيْهَقِيّ. وأمَّا قَطْعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للأَشْجَارِ عند بناء مسجده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا دَلِيلَ فِيهِ، لأَنَّ الأَشْجَارَ التي قطعها لَمْ تَكُنْ مِنَ الأَشْجَارِ الطَّبِيعِيَّةِ التي يَحْرُمُ قَطْعُهَا، وإِنَّمَا كَانَتْ نَخِيلًا فِي حَائِطٍ، وهِي خَارِجَةٌ عن مُوْضُوعِ الخِلافِ. وأَمَّا كَوْنُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عن قطعها لتجميل المدينة، فلا مانع من اجتماع هذه العِلَّةِ مع التَّحْرِيِمِ. وقد ذكر مَالِكٌ هذه العِلَّةِ حيث قال فِي سبب النَّهْي:"إِنَّمَا نَهَى عن قَطْعِ سِدْرِ الْمَدِينَةِ لئلا توحش وليبقى فيها شَجَرُهَا لِيَسْتَأْنِسَ ويَسْتَظِلَّ بِهِ من هَاجَرَ إليها". وقال فِي"شرح مختصر خليل":"وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَدِينَةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى يَحْرُمُ الصَّيْدُ فِي حَرَمِهَا وَلَا جَزَاءَ فِيهِ وَلَا يُؤْكَلُ حِينَئِذٍ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ قَطْعُ شَجَرِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ وَمَا نَبَتَ فِيهِ بِنَفْسِهِ كَمَا فِي حَرَمِ مَكَّةَ وَمَا اُسْتُثْنِيَ هُنَاكَ يُسْتَثْنَى هُنَا"اهـ (4) ."
ثانيًا: التَّحْذِيرُ الشَّدِيدُ من الابْتِدَاعِ فِي الْمَدِينَةِ أو انْتِهَاكِ حُرُمَاتِ اللهِ فِيهَا وأنَّهُ كَبِيرَةٌ.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"المَدِينَةُ حَرَمٌ".