لاَبَتَيْهَا، لاَ يُقْطَعُ عِضَاهُهَا، وَلاَ يُصَادُ صَيْدُهَا"أَخْرَجَهُ مُسْلِم. وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا"بيان لحدود حرم المدينة، وأنَّهُ يَمْتَدُّ من عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ لما في حديث عليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"المَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ"أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ. فأمَّا عير أو عاثر فهو الجبل المعروف في جنوب المدينة، وأما جبل ثور فقد قال ابن النجار: هو جبل صغير وراء أحد، يعرفه أَهْلُ المَدِينَةِ، ولا يُنْكِرُونَه، وقال ابن تيمية:"وَعَيْرٌ هُوَ جَبَلٌ عِنْدَ الْمِيقَاتِ يُشْبِهُ الْعَيْرَ وَهُوَ الْحِمَارُ؛ وَثَوْرٌ هُوَ جَبَلٌ مِنْ نَاحِيَةِ أُحُدٍ وَهُوَ غَيْرُ جَبَلِ ثَوْرٍ الَّذِي بِمَكَّةَ"."
ومعنى كَوْنُ المَدِينَةِ حَرَمًَا أنَّهُ جَعَلَ لَهَا حُرْمَةً وتَشْرِيفًَا وتَعْظِيمًَا فِي نُفُوسِ المُسْلِمِينَ ومَشَاعِرِهِمْ، كما جَعَلَهَا مُحَرَّمَةَ الصَّيْدِ والشَّجَرِ كَمَكَّةَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لاَ يُقْطَعُ شَجَرُهَا" (1) أي لا يُقْطَعُ نَبَاتُهَا الطَّبِيعِيِّ الذي يَنْبُتُ نَبَتُهُ دُونَ سَقْيٍّ، وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا"متفق عليه؛ والنَفْيُ بمعنى النَّهْي، أيْ لا يَجُوزُ قَطْعُ شَجَرَهَا، ولا صَيْدُ الصَّيْدِ فِي حُدُودِهَا.
"وَلاَ يُحْدَثُ فِيهَا حَدَثٌ، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا"أيْ ابْتَدَعَ فِيهَا بِدْعَةً أوْ ارْتَكَبَّ كَبِيرَةً، وفِي رِوَايَةٍ:"أَوْ آوى مُحْدِثًَا"بفتح الدال وكسرها، أَيْ أَعَانَ على بِدْعَةٍ أو مَعْصِيَةٍ"فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّه"أي غضبه وطرده من رحمته وجنته"وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"أَيْ وعليه دُعَاءُ المَلائِكَةِ والنَّاسِ باللَّعْنَةِ. وفِي رواية للبخاري:"لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلاَ عَدْلًا"أَيْ لا يَقَبَلُ اللهُ مِنْهُ فَرْضًا ولا نَفْلًا.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: تَحْرِيِمُ شَجَرِ المَدِينَةِ وصَيْدِهَا لقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"المَدِينَةُ حَرَمٌ"وَتَحْرِيِمُ المَدِينَةِ يَشْمَلُ تَحْرِيِمُ شَجَرِهَا وصَيْدِهَا مَعًَا، وإذا كان لَمْ يذكر الصَّيْدَ فِي حديث الباب نَصًَّا، فقد ورد في حديث عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حيث قال:"لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا"فإذا حَرُمَ تَنْفِيرَهُ حَرُمَ قَتْلُهُ منْ بَابِ أَوْلَى، وتَحْرِيِمُ المَدِينَةِ صَيْدًَا ونَبَاتًَا هو ما عليه أَكْثَرُ أهلِ العلمِ وجَمَاهِيرُ الفُقَهَاءِ.
قال فِي"الموسوعة الفقهية الكويتية":"ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ الْمَدِينَةَ الْمُنَوَّرَةَ حَرَمٌ، لَهُ حُدُودٌ وَأَحْكَامٌ، تَخْتَلِفُ عَنْ سَائِرِ الْبِقَاعِ، مَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْحَرَمُ الْمَدَنِيُّ عَنِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ: وَخَصَّهُ الْمَالِكِيَّةُ بِسَاكِنِي الْمَدِينَةِ (1) ."
د - لاَ جَزَاءَ فِيمَا حَرُمَ مِنْ صَيْدِهَا وَشَجَرِهَا وَحَشِيشِهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، بِخِلاَفِ حَرَمِ مَكَّةَ. وَفِي الْقَوْل الْقَدِيمِ لِلشَّافِعِيِّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِيهِ الْجَزَاءُ.
هـ - يَجُوزُ دُخُول الْمَدِينَةِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ بِلاَ خِلاَفٍ.
-وَلاَ يُمْنَعُ الْكَافِرُ مِنْ دُخُول الْمَدِينَةِ مِنْ أَجْل الْمَصْلَحَةِ مُؤَقَّتًا مِنْ غَيْرِ اسْتِيطَانٍ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، بِخِلاَفِ حَرَمِ مَكَّةَ.
ز - لاَ يَخْتَصُّ حَرَمُ الْمَدِينَةِ بِالنُّسُكِ وَذَبْحِ الْهَدَايَا، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي حَرَمِ مَكَّةَ.