فهرس الكتاب

الصفحة 1341 من 2668

وَقَالَ فِي"المنتقى شرح الموطأ":"وَدُخُولُ مَكَّةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَنْ يُرِيدَ دُخُولَهَا لِلنُّسُكِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَهَا إلَّا مُحْرِمًا فَإِنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ ثُمَّ أَحْرَمَ فَعَلَيْهِ دَمٌ."

وَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَدْخُلَهَا غَيْرَ مُرِيدٍ لِلنُّسُكِ وَإِنَّمَا يَدْخُلُهَا لِحَاجَةٍ تَتَكَرَّرُ كَالْحَطَّابِينَ وَأَصْحَابِ الْفَوَاكِهِ فَهَؤُلَاءِ يَجُوزُ لَهُمْ دُخُولُهَا غَيْرَ مُحْرِمِينَ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ كَانَتْ تَلْحَقُهُمْ بِالْإِحْرَامِ مَتَى احْتَاجُوا إلَى دُخُولِهَا لِتَكَرُّرِ ذَلِكَ.

وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ أَنْ يَدْخُلَهَا لِحَاجَتِهِ وَهِيَ مِمَّا لَا تَتَكَرَّرُ فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْخُلَهَا إلَّا مُحْرِمًا لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي إحْرَامِهِ وَإِنْ دَخَلَهَا غَيْرَ مُحْرِمٍ فَهَلْ عَلَيْهِ دَمٌ أَوْ لَا؟ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَدْ أَسَاءَ"اهـ (4) ."

ثانيًا: مشروعية إقامة القصاص والحدود بمَكَّة خلافًا لأَبِي حَنِيْفَةَ. قال الحافظ فِي"الفتح": (وَاسْتدلَّ بِقصَّة بن خَطَلٍ عَلَى جَوَازِ إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فِي حرم مَكَّة قَالَ بن عبد الْبر كَانَ قتل بن خَطَلٍ قَوَدًا مِنْ قَتْلِهِ الْمُسْلِمَ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ:"فِيهِ أَنَّ الْكَعْبَةَ لَا تُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا تَمْنَعُ مِنْ إِقَامَةِ حَدٍّ وَاجِبٍ". وَقَالَ النَّوَوِيُّ:"تَأَوَّلَ مَنْ قَالَ لَا يُقْتَلُ فِيهَا عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَهُ فِي السَّاعَةِ الَّتِي أُبِيحَتْ لَهُ وَأَجَابَ عَنْهُ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهَا إِنَّمَا أُبِيحَتْ لَهُ سَاعَةَ الدُّخُولِ حَتَّى استولى عَلَيْهَا واذعن أَهلهَا وَإِنَّمَا قتل بن خَطَلٍ بَعْدَ ذَلِك"َ انْتَهَى. وَتُعُقِّبَ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ: أَنَّ الْمَرَادَ بِالسَّاعَةِ الَّتِي أُحِلَّتْ لَهُ مَا بَيْنَ أول النَّهَار وَدخُول وَقت الْعَصْر وَقتل بن خَطَلٍ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَطْعًا لِأَنَّهُ قُيِّدَ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَ نَزْعِهِ الْمِغْفَرَ وَذَلِكَ عِنْد استقراره بِمَكَّة. وَقد قَالَ بن خُزَيْمَة المُرَاد بقوله فِي حَدِيث بن عَبَّاسٍ:"مَا أَحَلَّ اللَّهُ لِأَحَدٍ فِيهِ الْقَتْلَ غَيْرِي"أَيْ قَتْلَ النَّفَرِ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَئِذٍ بن خَطَلٍ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ. قَالَ: وَكَانَ اللَّهُ قَدْ أَبَاحَ لَهُ الْقِتَالَ وَالْقَتْلَ مَعًا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَقتل بن خَطَلٍ وَغَيْرِهِ بَعْدَ تَقَضِّي الْقِتَالِ"اهـ(5) . وقال فِي"إرشاد الساري":"قال الخطابي: قتله بما جناه في الإسلام. وقال ابن عبد البر: قَوَدًا مِنْ دَمِ المُسْلِمِ الذي قَتَلَهُ ثم ارتد. واستدلّ بقصته على جواز إقامة الحدود والقصاص فِي حَرَمِ مَكَّةَ. وقال أبُو حَنِيفَةَ: لا يَجُوزُ، وتَأَوَّلَ الحَدِيثَ بِأنَّهُ كَانَ فِي السَّاعَةِ التي أُبِيحَتْ لَهُ. وأَجَابَ أصْحَابُنَا بأنَّهُ إِنَّمَا أُبِيْحَتْ لَهُ سَاعَةَ الدُّخُولِ حتَّى اسْتَوْلَى عليها وقُتِلَ بن خَطَلٍ بَعْدَ ذَلِك"اهـ (6) ."

ثالثًا: استدل به القاضي عياض وغيره من المالكيّة على قتل من آذى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنَّه لا تقبل توبته. قال فِي "مواهب الجليل":"قَالَ عِيَاضٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُتِلَ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ فَظَاهِرُ تَخْصِيصِهِ بِالْكَافِرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَسْقُطُ وَذَكَرَ بَعْدَهُ هَلْ الْحَقُّ لِلَّهِ أَوْ لِلْآدَمِيِّ؟ فَهَذَا مَنَاطُ الْحُكْمِ" انْتَهَى (7) .

والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"دَخَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الفَتْحِ، وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ".

(1) قال الحافظ في"الفتح":"الْمِغْفَرُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ زَرَدٌ يُنْسَجُ مِنَ الدُّرُوعِ عَلَى قَدْرِ الرَّأْسِ وَقِيلَ هُوَ رَفْرَفُ الْبَيْضَةِ قَالَهُ فِي الْمُحْكَمِ وَفِي الْمَشَارِقِ هُوَ مَا يُجْعَلُ مِنْ فَضْلِ دُرُوعِ الْحَدِيدِ عَلَى الرَّأْسِ مِثْلُ الْقَلَنْسُوَةِ"اهـ.

(2) سَبَقَ تَضْعِيفَهُ وذِكْرُ السَّبَبِ فِي:"باب مهل أهل مَكَّة للحج والعمرة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت