ـــــــــــــــــــــــــــــ
673 -الحديث: أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ.
معنى الحديث: يُحَدِّثُنَا أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَامَ الفَتْحِ"، أَيْ أنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ"وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ"أي وقد غطى رأسه بِالمِغْفَرِ (1) ؛ وهو زَرَدٌ يُنْسَجُ من الدِّرْعِ على قَدْرِ الرَّأْسِ؛ أوْ مَا غَطَّى الرَّأْسَ من السِّلاحِ. وَقِيْلَ حِلَقٌ يَتَقَنَّعُ بِهَا المُتَسَلِّحُ ويَسْتُرُ بِهَا وَجْهَهُ غَيْرَ عَيْنَيْهِ،"فَلَمَّا نَزَعَهُ"أيْ فَلَمَّا نَزَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المغفر"جَاءَ رَجُلٌ"وهو أبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،"فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ» "ولو كان متعلقًا بأستار الكعبة لأنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ، وسَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللهِ بعد أَنَّ كان اسْمُهُ عَبْدَ العُزَّى، وكَانَ قَدْ بَعَثَهُ رسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَجْمَعَ الزَّكَاةِ، وَبَعَثَ مَعَهُ رَجُلًا من الأَنْصَارِ فَقَتَلَهُ فِي الطَّرِيقِ، وارْتَدَّ مُشْرِكًَا، واتَّخَذَ قَيْنَتَيْنِ - أَيْ مُغَنِّيَتَيْنِ - تُغَنِّيَانِ لَهُ بِهِجَاءِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وانْضَمَّ إلى المُشْرِكِينَ فِي غَزْوَةِ الفَتْحِ، وَخَرَجَ يُقَاتِلُ فِي صُفُوفِهِم، فَلَمَّا رَأَى خَيْلَ اللهِ دَخَلَهُ الرُّعْبَ فَرَجَعَ حتَّى انْتَهَى إلى الكَعْبَةِ، فَنَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ، وطَرَحَ سِلاحَهُ، وَدَخَلَ تَحْتَ أَسْتَارِهَا فَأَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِهِ، وضربت عنقه بِالسَّيْفِ بَيْنَ زَمْزَمَ والمَقَامِ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: جَوَازُ دُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ حَاجًَّا ولا مُعْتَمِرًَا، كما ترجم له البُخَارِيّ. لأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَهَا يَوْمَ الفَتْحِ كما فِي حديث الباب، وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَاريّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:"أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّة، وَقَالَ قُتَيْبَةُ: دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ"أَخْرَجَهُ مُسْلِم والنَّسَائِيّ؛ وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، حَيْثُ قال:"يَجُوزُ دُخُولُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ حَاجًَّا ولا مُعْتَمِرًَا". والجمهور على أنّهُ لا يَجُوزُ دُخُولُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:"لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مَكَّةَ إِلَّا مُحْرِمًا"أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيّ، وهو ضعيف (2) .
قال فِي"تيسير العلام":"وذهب الإمامُ الشَّافِعِيّ فِي المشهور عنه:"إلى جواز الدُّخُولِ بلا إحْرَامٍ لِمَنْ لَمْ يُرِدِّ الحَجَّ أوْ العُمْرَةَ"، وهو مَذْهَب الظاهرية، ونصره ابن حزم فِي"المُحَلَّى"وهو رواية عن الإمام أحْمَدَ، اختارها شيخ الإسلام"ابن تيمية"، وأبو الوفاء بن عقيل، قال ابن مفلح، فِي"الفروع":"وهي ظاهرة". واسْتَدَلُّوا على ذلك بِقَوْلِهِ فِي هذا الحديث:"مِمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ". وأجابوا عن الدليل الأول للموجبين بِأَنَّ الحديث ليس له دَخْلٌ فِي الإِحْرَامِ، وإِنَّمَا هو فِي تَحْرِيِمِ القِتَالِ فِي مَكَّةَ. وأجابوا عن حديث ابن عباس، بأنَّه موقوف من طريق البَيْهَقِيّ ولا يُحْتَجُّ به فيما عداها من الطرق؛ والموقوف لَيْسَ بِحُجَّةٍ. ولَمْ يوجب الله الحج والعمرة إلا مرة واحدة في العمر، والأصل براءة الذِّمَّة إلا بدليل موجب"اهـ (3) .