قَالَ «لَا يَحِلُّ قَتْلُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» فَالْحِدَأَةُ وَالْغُرَابُ مِمَّا أَحَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتْلَهُ لِلْمُحْرِمِ. فَمَا كَانَ فِي مِثْلِ مَعْنَاهُمَا مِنْ الطَّائِرِ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي أَنْ لَا يَجُوزَ أَكْلُ لَحْمِهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَكْلُ لَحْمِهِمَا، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُمَا، وَلِأَنَّهُمَا أَيْضًا مِمَّا لَمْ تَكُنْ تَأْكُلُ الْعَرَبُ، وَذَلِكَ مِثْلُ مَا ضَرَّ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ مِنْ سَبُعٍ وَطَائِرٍ، وَذَلِكَ مِثْلُ الْعُقَابِ وَالنَّسْرِ وَالْبَازِي وَالصَّقْرِ وَالشَّاهِينِ وَالْبَوَاشِقِ، وَمَا أَشْبَهَهَا، مَا دَامَ يَأْخُذُ حَمَامَ النَّاسِ وَغَيْرَهُ مِنْ طَائِرِهِمْ، فَكُلُّ مَا كَانَ فِي هَذَا الْمَعْنَى مِنْ الطَّائِرِ فَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ لِلْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ فِي مَعْنَى الْحِدَأَةِ وَالْغُرَابِ، وَدَاخِلٌ فِي مَعْنَى مَا لَا تَأْكُلُ الْعَرَبُ. وَكُلُّ مَا كَانَ لَا يَبْلُغُ أَنْ يَتَنَاوَلَ لِلنَّاسِ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِنْ الطَّائِرِ، فَلَمْ تَكُنْ الْعَرَبُ تُحَرِّمُهُ إقْذَارًا لَهُ، فَكُلُّهُ مُبَاحٌ أَنْ يُؤْكَلَ، فَعَلَى هَذَا، هَذَا الْبَابُ كُلُّهُ وَقِيَاسُهُ"اهـ (10) ."
ج - العقرب (11) : وأَلْحَقَ بِهَا الشَّافِعِيَّة جميع الحشرات (12) المؤذية كالبق ونحوه، وأَلْحَقَ بِهَا مَالِكٌ الزَّنْبُورَ فقط. قال فِي"مواهب الجليل":"وَاعْتَبَرَ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ الْإِيذَاءَ، فَكُلُّ مُؤْذٍ يَجُوزُ عِنْدَنَا لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ بِغَيْرِ مَعْنَى الصَّيْدِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ الْعَبْدِيُّ: وَجُمْلَةُ مَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ وَفِي الْحَرَمِ أَيْضًا ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَيْئًا سِتَّةٌ تُذْبَحُ لِلْأَكْلِ وَسَبْعَةٌ تُقْتَلُ لِلضَّرُورَةِ، وَدَفْعِ أَذَاهَا، فَأَمَّا مَا يُذْبَحُ لِلْأَكْلِ، فَبَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ الثَّلَاثَةُ: الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَثَلَاثَةٌ مِنْ الطَّيْرِ: الْبَطُّ وَالْإِوَزُّ وَالدَّجَاجُ وَأَمَّا لِدَفْعِ الضَّرَرِ فَثَلَاثٌ: هَوَائِيَّةٌ وَهِيَ الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالزُّنْبُورُ عَلَى خِلَافٍ فِي الزُّنْبُورِ، وَثَلَاثَةٌ تُرَابِيَّةٌ: الْعَقْرَبُ وَالْحَيَّةُ وَالْفَأْرَةُ وَوَاحِدٌ مِنْ الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ الْكَلْبُ الْعَقُورُ"انْتَهَى (13) .
د - الفأرة.
هـ - الكلب العقور: وهو عند الجمهور كل ما عدا على الناس وأخافهم من الأسد والذئب ونحوه. أو بعبارة أخرى، قال الجمهور:"المراد بالكلب العقور كل ما عقر الناس وعدا عليهم من السِّباع والحيوانات المفترسة". قال فِي"الْمُغْنِي":"قَالَ مَالِكٌ: الْكَلْبُ الْعَقُورُ، مَا عَقَرَ النَّاسَ وَعَدَا عَلَيْهِمْ، مِثْلُ الْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالْفَهْدِ وَالذِّئْبِ. فَعَلَى هَذَا يُبَاحُ قَتْلُ كُلِّ مَا فِيهِ أَذًى لِلنَّاسِ فِي أَنْفُسِهِمْ أَوْ فِي أَمْوَالِهِمْ، مِثْلُ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ كُلِّهَا، الْمُحَرَّمِ أَكْلُهَا، وَجَوَارِحِ الطَّيْرِ، كَالْبَازِي، وَالْعُقَابِ، وَالصَّقْرِ، وَالشَّاهَيْنِ، وَنَحْوِهَا، وَالْحَشَرَاتِ الْمُؤْذِيَةِ، وَالزُّنْبُورِ، وَالْبَقِّ، وَالْبَعُوضِ، وَالْبَرَاغِيثِ، وَالذُّبَابِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ"اهـ (14) . أَمَّا أَبُو حَنِيْفَةَ فقال:"إِنَّ الْكَلْبَ الْعَقُورَ وَغَيْرَ الْعَقُورِ وَالْمُسْتَأْنِسَ مِنْهُ وَالْمُتَوَحِّشَ سَوَاءٌ، وَالْفَارَةُ الْأَهْلِيَّةُ وَالْبَرِّيَّةُ سَوَاءٌ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ: لَا يَجِبُ الْجَزَاءُ بِقَتْلِ السِّنَّوْرِ وَلَوْ كَانَ بَرِّيًّا وَبِالضَّبِّ وَالْيَرْبُوعِ وَالْأَرْنَبِ يَجِبُ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْمُسْتَثْنَاةِ، وَلَا تَبْتَدِئُ بِالْأَذَى" (15) ؛ وبِهذا اتفقوا على جواز قتل السِّباع كلها.
قال فِي"بداية المجتهد":"قَالَ مَالِكٌ:"الْكَلْبُ الْعَقُورُ الْوَارِدُ فِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى كُلِّ سَبُعٍ عَادٍ، وَأَنَّ مَا لَيْسَ بِعَادٍ مِنَ السِّبَاعِ فَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ. وَلَمْ يَرَ قَتْلَ صِغَارِهَا الَّتِي لَا تَعْدُو، وَلَا مَا كَانَ مِنْهَا أَيْضًا لَا يَعْدُو". وَقَالَ أيضًا:"لَا أَرَى قَتْلَ الْوَزَغِ، وَالْأَخْبَارَ بِقَتْلِهَا مُتَوَاتِرَةً، لَكِنْ مُطْلَقًا لَا فِي الْحَرَمِ، وَلِذَلِكَ تَوَقَّفَ فِيهَا مَالِكٌ فِي الْحَرَمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْتَلُ مِنَ الْكِلَابِ الْعَقُورَةِ إِلَّا الْكَلْبُ الْإِنْسِيُّ وَالذِّئْبُ"اهـ (16) ."