وحدث عنه بن وهب وهو أكبر منه. قال العجلي:"بَصْرِيّ، ثِقَةٌ. من كبار شيوخ البُخَارِيّ". وقال أبو حاتم الرَّازيّ:"حدثنا معاذ بن فضالة وكان ثِقَةً صَدوقًا". وَذَكَرَهُ ابنُ حِبَّانَ فِي"الثِّقَاتِ". قال ابن يونس:"مات بعد سنة مائتين"؛ قلت:"قرأت بخط الذَّهَبِيّ مات سنة بضع عشر ومائتين".
الحديث: أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ.
معنى الحديث: يُحَدِّثُنَا أبُو قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ انْطَلَقَ مع النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ"وَلَمْ يُحْرِمْ"أيْ وكَانَ حَلالًا غَيْرَ مُحْرِمٍ"فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِ وَحْشٍ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ"أي عدوت خلفه بفرس"فَطَعَنْتُهُ، فَأَثْبَتُّهُ"أيْ فَأَرْدَيْتُهُ قَتِيلًا"وَاسْتَعَنْتُ بِهِمْ فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي"أَيْ وكنت قبل أنْ أَتَوَجَّهَ إلى ذلك الحمار الوحشي لأصيده قَدْ طَلَبْتُ من أصْحَابِي أَنْ يُعِينُونِي على صيده فَرَفَضُوا أَنْ يُعِينُونِي"وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ"أيْ خِفُنَا أَنْ يُحَاصِرُنَا الْعَدُوُّ ويَحُولُ بَيْنَنَا وبَيْنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،"فَطَلَبْتُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أيْ فَذَهَبْتُ إليه"قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَبْتُ حِمَارَ وَحْشٍ، وَعِنْدِي مِنْهُ، فَاضِلَةٌ!"أيْ بَقِيَّةٌ مِنْ لَحْمِهِ"فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْقَوْمِ: «كُلُوا» وَهُمْ مُحْرِمُونَ"أَيْ فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالأَكْلِ من ذلك الصَّيْدِ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: أنَّهُ لا يَجُوزُ للمُحْرِمِ أَنْ يُعِينَ الحَلالُ على قَتْلِ الصَّيْدِ أو يأمره به، أو يشير إليه لقوله في الحديث:"وَاسْتَعَنْتُ بِهِمْ فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي"، فَإِنْ أَعَانَ المُحْرِمَ على الصَّيْدِ أو أمر به أو أشار إليه حَرُمَ عليه الأَكْلُ مِنْهُ، ومِمَّا يُؤَكِّدُ ذلك ما جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عن أبِي قَتَادَةَ أَيْضًَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ:"أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا». قَالُوا: لاَ، قَالَ: «فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا» ".
ثَانِيًَا: أنَّهُ يَجُوزُ للمُحْرِمِ الأَكْل من الصَّيْدِ الذي لَمْ يُعِنْ عليه وَلَمْ يَأمُرْ وَلَمْ يُشِرْ إِلَيْه كَمَا دَلَّ عليه حديث الباب.
ثَالِثًَا: اسْتَدَلَّ به أَبُو حَنِيْفَةَ على أنّهُ يَجُوزُ لَهُ الأكل من الصَّيْدِ الذي صَادَهَ له غيره ومِنْ أَجْلِهِ (1) ، لأَنَّ أبَا قَتَادَةَ إِنَّمَا صَادَ هذا الحِمَارَ الوَحْشِيِّ لَهُ وَلِمَنْ مَعَهُ. قال فِي"الحجة على أهل المدينة":"أخْبُرْنَا مُحَمَّد عَن أبِي حَنِيْفَةَ فِي رَجُلٍ مُحْرِمٍ صِيْدَ من أَجْلِهِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ صَادَهُ حَلَالٌ وصنع لَهُ من ذَلِك الصَّيْد فَأكل مِنْهُ وَهُوَ يعلم أَنَّهُ مِنْ أَجْلِهِ صِيْدَ فَلَا بَأْسَ بذلك وَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أهل الْمَدِينَة عَلَيْهِ جَزَاءُ ذَلِك الصَّيْدِ إِذا أَكَلَ مِنْهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ صِيْدَ مِنْ أَجْلِ صَاحِبِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِك شَيْءٌ"اهـ (2) .
وقال الجمهور:"يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا صَادَهُ غَيْرُهُ لِأَجْلِهِ لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ «صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلاَلٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ» . قَالَ أَبُو دَاوُدَ إِذَا تَنَازَعَ الْخَبَرَانِ عَنِ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْظَرُ بِمَا أَخَذَ بِهِ أَصْحَابُهُ"أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ (3) ، وقال الشَّافِعِيّ عنه:"هذا أحسن حديث رُوِيَ فِي هذا الباب". قال فِي"الْمُغْنِي":"مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يَأْكُلُهُ إذَا صَادَهُ الْحَلَالُ لِأَجْلِهِ) لَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ إذَا صَادَهُ أَوْ ذَبَحَهُ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} . وَإِنْ"