فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 2668

كان هذا البَعْضُ قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ من قَضَايَا الإِيمَانِ، وأقَرَّ بِلِسَانِهِ وأتَى بِجَمِيعِ شَعَائِرِ الإِسْلامِ، ولَمْ يَصَدِّقْهُ بِقَلْبِهِ، لا يَنْفَعُهُ ذلك، لأَنَّ التَّصْدِيقَ القَلْبِيَّ هو الرُّكْنُ الأَوَّلُ من أَرْكَانِ الإِيمَانِ، ولا يَكْفِي فِي الإِيمَانِ مُجَرَّد الإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ، لأَنَّ المُنَافِقِينَ على عَهْدِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانوا يُقِرُّونَ بألْسِنَتِهِم، لَكِنَّهُم لَمَّا لَمْ يُصَدِّقُوا بِقُلُوبِهِم، نَفَى اللهُ عنهم اسْمَ الإِيمَانِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) .

الثانِي: الإقْرَارُ بِاللِّسَانِ: أيْ النُّطْقُ بالشَّهَادَتَيْنِ مع الاعْتِرَاف بِأَنَّ كُلَّ مَا أخْبَرَ به نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو جَاءَ به حَقٌّ وصِدْقٌ عن اللهِ تَعَالَى، فَمَنْ لَمْ يُقِرّ بذلك ويَعْتَرِفْ به بِلِسَانِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ من خَرَسٍ أو إِكْرَاهٍ فهو جَاحِدٌ كَافِرٌ عند اللهِ والنَّاسِ ولَوْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ، فإِنَّ التَّصْدِيقَ وَحْدُهُ دُونَ إِقْرَارٍ مِمَّنْ هو قَادِرٌ عليه لا يَكْفِي خِلافًَا لِمَا زَعَمَهُ الجَهْمُ بْنُ صَفَوانَ، من أَنّ من عَرَفَ اللهَ بِقَلْبِهِ وجَحَدَ بِلِسَانِهِ ومَاتَ قَبْلَ أَنْ يُقِرَّ فهو مُؤْمِنٌ كَامِلُ الإِيمَانِ كما أَفَادَهُ الرَّازي، وهذا قَوْلٌ بَاطِلٌ، لأَنَّ فِرْعَونَ كان مُصَدِّقًَا بِقَلْبِهِ، فلَمْ ينفعه ذلك حين أنْكَرَ التَّوْحِيدَ بِلِسَانِهِ، فَسَجَّلَ اللهُ عليه وعلى قَوْمِهِ الكُفْرَ والجُحُودَ فِي مُحْكَمِ قُرْآنِهِ، وَوَصَفَهُم بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) .

الثالث: العَمَلُ بالجَوَارِحِ: وهو أَنْ يُؤَدِّي المُؤْمِنُ كُلَّ أَرْكَانِ الإِسْلامِ، ويَلْتَزِمُ بِفِعْلِ الوَاجِبَاتِ، وتَرْكِ المُحَرَّمَاتِ، فَالعَمَلُ جُزْءٌ من الإِيمَانِ، وَقَدْ أنْكَرَ السَّلَفُ على من أَخْرَجَ الأعْمَالَ من الإِيمَانِ إنْكَارًَا شَدِيدًَا.(قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ وَغَيْرِهِ: الْمَشْهُورُ عَنِ السَّلَفِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ، وَأَنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ، وَحَكَى الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ أَدْرَكَهُمْ ذَلِكَ.

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: أَنْكَرَ السَّلَفُ عَلَى مَنْ أَخْرَجَ الْأَعْمَالَ عَنِ الْإِيمَانِ إِنْكَارًا شَدِيدًا، وَمِمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى قَائِلِهِ وَجَعَلَهُ قَوْلًا مُحْدَثًا - سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ وَقَتَادَةُ، وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: هُوَ رَأْيٌ مُحْدَثٌ أَدْرَكْنَا النَّاسَ عَلَى غَيْرِهِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: كَانَ مَنْ مَضَى مِنَ السَّلَفِ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْإِيمَانِ، وَالْعَمَلِ فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الْإِيمَانَ. وَذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ. وَقَدْ دَلَّ عَلَى دُخُولِ الْأَعْمَالِ فِي الْإِيمَانِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} ) (1) .

فجعل الأعمال المذكورة التي هي الهجرة والجهاد والنصرة جزءًا من الإيمان الحق، الذي يستحق صاحبه النجاة من النَّار، والفوز بالجنَّة ابتداءً مع الَأولين الأبرار. أمَّا الدَّلِيلُ من السُّنَّةِ على أنَّ العَمَلَ جُزْءٌ من الإِيمَانِ فهو قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِوَفْدِ عبْدِ القَيْسِ:"هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت