فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 2668

لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنَّ تُؤَدُّوا خُمُسًا مِنَ الْمَغْنَمِ"أخرجه مسلم. فإنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَّفَ الإِيمَانَ بِالشَّهَادَةِ والصَّلاِةِ والزَّكَاةِ والصَّوْمِ، فجعل هذه الأعمال المذكورة جُزْءًَا من الإيمَانِ، قال ابن القيم:"فيه أَنَّ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ هُوَ مَجْمُوعُ هَذِهِ الْخِصَالِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، كَمَا عَلَى ذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعُونَ، وَتَابِعُوهُمْ كُلُّهُمْ، ذَكَرَهُ الشَّافِعِيّ فِي"الْمَبْسُوطِ"، وَعَلَى ذَلِكَ مَا يُقَارِبُ مِائَةَ دَلِيلٍ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ"اهـ (2) . وهو مذهب السَّلَفِ الصَّالِحِ."

وَقال ابن تيمية رحمه الله:"وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ: أَنَّ الدِّينَ وَالْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ: قَوْلُ الْقَلْبِ (3) وَاللِّسَانِ (4) ، وَعَمَلُ الْقَلْبِ (5) وَاللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ (6) "اهـ (7) . فالعمل جزء من الإِيمان ولكن لا ينتفي الإيمان بانتفائه ولا يبطل باقتراف كبيرة، أو ارتكاب معصية، فَأهْلُ السُّنَّةِ لا يَنْفَوْنَ عن العَاصِي الإيمَانَ بِالكُلِّيَّةِ، ولا يُخْرِجُونَهُ من الدِّينِ، ولا يَحْكُمُونَ عليه بِالكُفْرِ والخُلُودِ فِي النَّارِ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ كما قال ابن تيمية:"لَا يُكَفِّرُونَ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِمُطْلَقِ الْمَعَاصِي وَالْكَبَائِرِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْخَوَارِجُ؛ بَلْ الْأُخُوَّةُ الْإِيمَانِيَّةُ ثَابِتَةٌ مَعَ الْمَعَاصِي كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي آيَةِ الْقِصَاصِ: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} ". وقَالَ أيْضًَا:"وَلَا يَسْلُبُونَ الْفَاسِقَ الْمِلِّي اسْمَ الْإِيمَانِ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَا يُخَلِّدُونَهُ فِي النَّارِ كَمَا تَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ بَلْ الْفَاسِقُ يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْإِيمَانِ فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} "؛ فالعاصي، ومرتكب الكبيرة لا يُسْلَبُ من الإِيمَانِ بِالْكُلِّيَّةِ، ولا يدخل فِي الإِيمَانِ المُطْلَقِ الكَامِلِ الذي يَسْتَحِقُّ به الجَنَّةَ ابْتِدَاءً، وإِنَّمَا هو مُؤْمِنٌ فَاسِقٌ. قال ابن تيميّة:"هُوَ مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الْإِيمَانِ أَوْ مُؤْمِنٌ بِإِيمَانِهِ فَاسِقٌ بِكَبِيرَتِهِ؛ فَلَا يُعْطَى الِاسْمَ الْمُطْلَقَ وَلَا يُسْلَبُ مُطْلَقَ الِاسْمِ" (8) . ومعنى ذلك أنَّنَا لا نَنْفِي عن العَاصِي اسْمَ الإِيمَانِ، ونَقُولُ إنَّهُ كَافِرٌ خَارِجٌ عن المِلَّةِ، ولا نُطْلِقُ عليه الإيمَانَ دُونَ أَنْ نُقَيِّدَهُ بِالفِسْقِ.

والدَّليلُ على أنَّ العاصي لا ينتفي عنه الإِيمَانَ أَنَّ اللهَ أثْبَتَ للقَاتِلِ والبَاغِي أُخُوَّةَ الإِيمَانِ، فَقَالَ فِي القَاتِلِ: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) . وقال فِي البغاة: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) . والدَّلِيلُ على أنَّ العَاصِي لا يَدْخُلُ فِي الإِيمَانِ المُطْلَقِ الكَامِلِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ"أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ؛ لأنَّ الله نفى عن هؤلاء العُصَاةِ الإِيمان المطلق الكامل الذي يستحقون به النَّجَاة من النَّار، والفوز بالجنَّة، ابتداء مع الأوَّلين الأبرار.

"وَقَوْلُهُ: وَلَا نَقُولُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ ... إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ، رَدٌّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ، كَمَا لَا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ. فَهَؤُلَاءِ فِي طَرَفٍ، وَالْخَوَارِجُ فِي طَرَفٍ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ نُكَفِّرُ الْمُسْلِمَ بِكُلِّ ذَنْبٍ، أَوْ بِكُلِّ ذَنَبٍ كَبِيرٍ، وَكَذَلِكَ الْمُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ يَحْبَطُ إِيمَانُهُ كُلُّهُ بِالْكَبِيرَةِ، فَلَا يَبْقَى مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الْإِيمَانِ. لَكِنَّ الْخَوَارِجَ يَقُولُونَ: يَخْرُجُ مِنَ الْإِيمَانِ وَيَدْخُلُ فِي الْكُفْرِ! وَالْمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ: يَخْرُجُ مِنَ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت