فهرس الكتاب

الصفحة 1262 من 2668

للعامة لشِدَّةِ الظِّلام،"ثُمَّ وَقَفَ حَتَّى أَسْفَرَ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ أَنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ - عثمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَفَاضَ الآنَ أَصَابَ السُّنَّةَ"أي لو نزل الآن في وقت الإِسْفَار وقبل طلوع الشمس إلى مني لوافق سنة النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال الرَّاوى:"فَمَا أَدْرِي: أَقَوْلُهُ كَانَ أَسْرَعَ أَمْ دَفْعُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؟!"أي فبادر عثمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بالنزول حتى كَأَنَّ نزوله سبق قول ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ."فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ".

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أَوَّلًا: مَشْرُوعِيَّةُ المَبِيتِ فِي مُزْدَلِفَةَ، والوقوف بِهَا إلى الإِسْفَارِ، وهو واجبٌ عند أحْمَدَ وأَبِي حَنِيْفَةَ (3) والثَّوْرِيّ يَجِبُ الدَّمَ على مَنْ تَرَكَهُ. قال فِي"الْمُغْنِي":" (وَمَنْ دَفَعَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ، مِنْ غَيْرِ الرُّعَاةِ وَأَهْلِ سِقَايَةِ الْحَاجِّ، فَعَلَيْهِ دَمٌ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ وَاجِبٌ يَجِبُ بِتَرْكِهِ دَمٌ، سَوَاءٌ تَرَكَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ نُسُكًا، وَلِلنِّسْيَانِ أَثَرُهُ فِي تَرَكَ الْمَوْجُودِ كَالْمَعْدُومِ، لَا فِي جَعْلِ الْمَعْدُومِ كَالْمَوْجُودِ، إلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ لِأَهْلِ السِّقَايَةِ وَرُعَاةِ الْإِبِلِ، فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ لِلرُّعَاةِ فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ فِي حَدِيثِ عَدِيٍّ، وَأَرْخَصَ لِلْعَبَّاسِ فِي الْمَبِيتِ لِأَجْلِ سِقَايَتِهِ، وَلِأَنَّ عَلَيْهِمْ مَشَقَّةً فِي الْمَبِيتِ، لِحَاجَتِهِمْ إلَى حِفْظِ مَوَاشِيهِمْ وَسَقْيِ الْحَاجِّ، فَكَانَ لَهُمْ تَرْكُ الْمَبِيتِ فِيهَا، كَلَيَالِي مِنًى، وَلِأَنَّهَا لَيْلَةٌ يُرْمَى فِي غَدِّهَا، فَكَانَ لَهُمْ تَرْكُ الْمَبِيتِ فِيهَا، كَلَيَالِي مِنًى. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ الْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَلَا شَيْءَ عَلَى تَارِكِهِ. وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ"اهـ (4) . وقَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ:"الواجب التَّواجد فيها ولو لَحْظَةً فِي النِّصْفِ الثَّانِي من لَيْلَةِ النَّحْرِ". وقالت المالكية كما فِي"حاشية الصَّاوِي":" (وَوَجَبَ نُزُولُهُ بِهَا) : أَيْ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِقَدْرِ حَطِّ الرِّحَالِ وَصَلَاةِ الْعِشَاءَيْنِ، وَتَنَاوُلِ شَيْءٍ مِنْ أَكْلٍ فِيهَا أَوْ شُرْبٍ. فَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ فَدَمٌ. (وَنُدِبَ بَيَاتُهُ) بِهَا (وَارْتِحَالُهُ) مِنْهَا (بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ) فِيهَا (بِغَلَسٍ) قَبْلَ أَنْ تَتَعَارَفَ الْوُجُوهُ"اهـ (5) . قال فِي"المجموع":"الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ فَلَوْ تَرَكَهُ صَحَّ حَجُّهُ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَأَصْحَابُنَا: وَبِهَذَا قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَف. ِ"

وَقَالَ خَمْسَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ: هُوَ رُكْنٌ لَا يَصِحُّ الْحَجُّ إلَّا بِهِ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ؛ هَذَا قَوْلُ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيّ. ِ وَبِهِ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا ابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ وَأَبُو بكر ابن خُزَيْمَةَ وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (فَاذْكُرُوا اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) وَبِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيُّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ (مَنْ فَاتَهُ الْمَبِيتُ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ) وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ السَّابِقِ فِي فَضْلِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ. وَأَجَابُوا عَنْ الآية بأنَّ المأمور به فيها إنَّمَا هُوَ الذِّكْرُ وَلَيْسَ هُوَ بِرُكْنٍ بِالْإِجْمَاع. ِ (وَأَمَّا) الْحَدِيثُ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ وَلَا مَعْرُوفٍ. (وَالثَّانِي) أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَحُمِلَ عَلَى فَوَاتِ كَمَالِ الْحَجِّ لا فوات أصله"اهـ (6) . وقال فِي"بدائع الصنائع":"وَالسُّنَّةُ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَةَ النَّحْرِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَالْبَيْتُوتَةُ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، إنَّمَا الْوَاجِبُ هُوَ الْوُقُوفُ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ وُقُوفُهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَيُصَلِّيَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت