حَتَّى يَنْظُروا أهو مُخْتَتِنٌ أمْ لا؟"فَنَظَرُوا إِلَيْهِ"وكَشَفُوا عليه"فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ"."وَسَأَلَهُ عَنِ العَرَبِ، فَقَالَ: هُمْ يَخْتَتِنُونَ"فعرف أنَّ مَا شَاهَدَهُ هُم العرب."فَقَالَ هِرَقْلُ: هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ"أي هذا الذي رأيته في النُّجُومِ معناه أَنَّ مَلِكَ الأُمَّةِ التي تَخْتَتِنُ وهُم العرب قَدْ ظهر على هذه الأرْضِ وأنَّ دَوْلَتَهُم سَتَغْلِب على هذه البلاد كلها،"ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ"وهِيَ رُومَا عَاصِمَة إيطاليا اليوم،"وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي العِلْمِ، وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ"أيْ لَمٍ يَكَدْ يصل إليها حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ"فِي رومِيَّةَ، وكان أسْقُفُ رُومَا"يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّهُ نَبِيٌّ"، أي على ظهور النَّبِيّ الذي بَشَّرَ به عِيسَى وأَنَّ مُحَمَّدًا هو النَّبِيّ المُبَشَّرُ به."
"فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ"أيْ فأعلن هِرَقْلُ لعظماء دولته عن عقد اجتماع فِي قَصْرٍ عظيم بِحِمْصَ، لكي يلقي فيهم خطابًا هَامًَّا،"ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ"أي دخل جَنَاحًَا خَاصًَّا أُغْلِقَ أبْوابه عليه"ثُمَّ اطَّلَعَ"أيْ أَطَلَّ عليهم من الشُّرْفَةِ"فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ فِي الفَلاَحِ"، أي هل تَرْغَبُون فِي الفَوْزِ والظَّفَرِ،"وَالرُّشْدِ"بضم الرَّاء وتسكينُ الشِّين، وهو إصَابَةُ الحَقِّ عَقِيدَةً وقولًا وعملًا،"وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ"أيْ يَبْقَى وَيَدُومُ لكم،"فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيّ؟"أيْ تُعَاهِدوا مُحَمَّدًَا على الإِسْلامِ."فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ"أيْ ثَاروا ثَوَرَةِ الحُمُرِ الوَحْشِيَّةِ،"إِلَى الأَبْوَابِ"أي: وهَجَمُوا على الأَبْوابِ يُريِدُونَ الوُصُول إليه لِيَفْتِكُوا به"فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ"أيْ فلمَّا رأى نُفُورَهُم من الإِسْلامِ وثَوْرَتَهُم العَنِيفَةِ عليه وَأَيِسَ مِنَ إِيْمَانِهِم"قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ"أيْ قَالَ لِجُنْدِهِ: رُدُّوهُمْ عَنِّي،"وَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا"إِنَّي قلت كلامي الذي قلته لكم الآن"أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ"أي لأختبر صلابتكم فِي دينكم، وشِدَّةِ تَمَسُّكِكُم به وقُوَّةِ دِفَاعِكُم عنه،"فَقَدْ رَأَيْتُ!". وفِي رواية:"فَقَدْ رَأَيْتُ مِنْكُمُ الَّذِي أَحْبَبْتُ"؛"فَسَجَدُوا لَهُ"على عَادَةِ الأعَاجِمِ"وَرَضُوا عَنْهُ"؛"فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ"أيْ نِهَايَةُ قِصَّتِهِ ومَوْقِفِهِ من كِتَابِ رَسْولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: مُلاطَفَةِ المَكْتُوبِ إليه، وتَقْدِيرُهُ التَّقْدِيرِ اللائِقِ المُنَاسِبِ، الذي لا يَتَجَاوَزُ حُدَودَ الشَّرِيعَةِ الإِسْلامِيَّةِ، ولهذا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى عَظِيم الرُّومِ، ولَمْ يَقُلْ إلى مَلِكِ الرُّومِ لأَنَّهُ أصْبَحَ مَعْزُولًا بِحُكْمِ الإِسْلامِ، ولَمْ يَقُلْ: إلى هِرَقْلَ، لِيَكُونَ فيه نَوْعٌ من الملاطفة.
ثانيًا: تَصْدِيرُ الكِتَابِ بالبَسْمَلَةِ ولو كان المَبْعُوثُ إليه كَافِرًَا.
ثالثًا: من السُّنَّةِ فِي الخطابات الإِسْلامِيَّةِ أَنْ يبدأ أوَّلًا بِاسْمِهِ ثُمَّ بِاسْمِ المَكْتُوبِ إليه كما فعل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خطابه إلى هِرَقْلَ.
رابعًا: فِي الحديث حُجَّةٌ ظَاهِرَةٌ لِمَنْ يَمْنَعُ بِدْءَ الكَافِرِ بِالسَّلامِ وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِيّ، وأجَازَهُ جَمَاعَةٌ مُطْلَقًَا، وجَمَاعَةٌ للاسْتِئْلافِ أو الحَاجَةِ، ولكن قَدْ جاء النَّهْي عنه فِي الأحاديث الصَّحِيْحَةِ، ولا اجْتِهَادَ مع النَّصِّ.