والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ".
وَيُسْتَفَادُ مِنَ الحَدِيِثَيْنِ مَا يَأْتِي:
أولًا: أنَّ الحَجَّ المَقْبُولَ الخَالِي من الرِّيَاءِ والسُّمْعَةِ والمَالِ الحَرَامِ، ومن الجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ، ومن الآثَامِ والسَّيِّئَاتِ صغيرها وكبيرها، لا يعدله شيءٌ من القُرُبَات، لأنَّه أفضل الأعمال بعد الإِيمان بالله تعالى. وقد اختلفت الرِّوَايَاتُ فِي الحَجِّ والجهاد أيُّهما أفضل، والتَّحْقِيقُ تفضيل الحَجِّ، لأنَّهُ رُكْنٌ من أركان الإِسْلامِ الخَمْسَة، وفَرْضٌ عَيْنِيٌّ على كُلِّ مُسْلِمٍ، رَجُلًا كَانَ أو امْرَأةً إذا كان مُسْتَطِيعًَا، فِي حين أنَّ الجهاد فرضُ كِفَايَةٍ إلّا فِي حَالاتٍ اسْتِثْنَائِيَّةٍ فقط، وذلك إذا تعرضت بلاد المُسْلِمين لمداهمة الْعَدُوِّ، فالأصل هو أفضلية الحَجِّ.
أمَّا تَقْدِيِمُ الجِهَادِ فِي حديثِ أبِي هُرَيْرَةَ"سُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ» "أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ؛ فإِنَّمَا قدم الجهاد للحاجة إليه في أوّل الإِسلام، حيث كان الجهاد فرض عين على كل مُسْلِم.
ثانيًا: أنَّ المَرْأَةَ لَمْ يُشْرَعْ لَهَا القِتَالُ وحَمْلُ السَّلاحِ، وإِنَّمَا جِهَادُهَا الحَجُّ فقط، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الحديث الأول:"لاَ، لَكِنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ". وقال الشَّاعِرُ:
كُتِبَ القَتْلُ والقِتَالُ عَلَيْنَا ... وَعَلَى الغَانِيَاتِ جَرُّ الذّيُوْلِ
ثالثًا: دَلَّ الحديثُ الثَّانِي على أنَّ الحَجَّ الخالي عن المخالفات الشَّرْعِيّة صغيرةً أو كبيرةً يُكَفِّرُ جَمِيعَ الذُّنُوبِ المُتَعَلِّقَةِ بِحُقُوقِ اللهِ تَعَالَى حَتَّى الكَبَائِرِ بِشْرِطِ التَّوْبَةِ، كما رَجَّحَهُ الأَكْثَرُونَ، لقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ".
(1) أبو حازم إذا روى عن أبي هريرة فهو سلمان الْأَشْجَعِيّ؛ وإذا روى عن سهل بن سعد السَّاعدي فهو سلمة بن دينار.