وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ"أيْ أنَّ أبَا سُفْيَانَ أخبره أنَّهُ بينما كان فِي رِحْلَةِ تِجَارَةٍ ببلاد الشَّام مع جَمَاعَة من قُرْيِشٍ أرْسل إليهم هِرَقْل ملك الروم يطلب مقابلتهم، وسبب ذلك أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أرسل (1) مع دحية الكلبي كتابًا إلى هِرَقْلَ يدعوه فيه إلى الإِسلام، فلمَّا وصلَ إليه كتابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: هل هنا أَحَدٌ من قوم هذا الرَّجُل الذي يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِي؟ قالوا: نَعَمْ. فَدُعِيَ فِي نفر من قُرَيْشٍ لمقابلته."
وكان سبب اجتماع أبِي سُفيان بِهِرَقْل فِي بِلادِ الشَّامِ، واهتمامه بِمُقَابَلَتِهِ، أنَّه لَمَّا حاربته الفرس نذر إنْ نَصَرَهُ الله عليهم أنْ يسير من حِمْصٍ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ مَاشِيًَا على قَدَمَيْهِ، فلما انتصر عليهم وَفَّى بنذره، فَمُدَّتْ له البُسُطُ الفاخرة على طول الطَّرِيقِ، من حمص إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وفُرِشَتْ الوُروُدُ والرَّيَاحِينُ، وسَارَ هِرَقْلُ فِي مَوْكِبِ النّصْرِ، حتَّى وَصَلَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فلما وصل إليها، كان أبو سفيان موجودًا فِي مدينة غَزَّةِ، وصادف ذلك وُصُول كِتَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى هِرَقْلَ، ورؤيته فِي النُّجُومِ أَنَّ مَلِكَ الخِتَانِ قَدْ ظهر، فدفعته هذه الأسباب مُجْتَمِعَة إلى الحرص على الاجتماع بأبِي سفيان وركب قريش، ليتعرّف منهم على حقيقة مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فدعاهم إلى مَجْلِسِهِ"فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ"أي مدينة بَيْتِ المَقْدِسِ.
"فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ"إلى مقابلته فِي مَجْلِسِهِ، وحَوْلَهُ عُلَمَاءُ الدِّينِ، وكِبَارُ رِجَالِ الدَّوْلَةِ،"ثُمَّ دَعَاهُمْ"أيْ أَدْنَاهُمْ منه، وقَرَّبَهُم إليه"وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ (2) "؛"فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟"أيْ قَالَ هرقل للترجمان: قل لهؤلاء العرب، أي واحد منكم أقرب نسبًا إلى هَذَا الرَّجُلِ الذي يَدَّعِي النُّبُوَةَ؟ وإِنَّمَا سأل عن أقْرَبِ النَّاسِ إليه ليسأله عن صِفَاتِهِ وأخْلاقِهِ، لأَنَّ القَرِيب أدْرَى النَّاسِ وأعلمهم بِأحْوَالِ قَرِيبِهِ، ولأنَّه لا يَطْعَنُ فيه بِمَا ليس فيه، كما أفاده العيني، وَوَصَفَهُ بالزَّعْمِ ليُشَجِّعَ المَسْئُول عنه على أنْ يَتَحَدَّثَ عنه بِحُرِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ على شَرْطِ أَنْ يَتَحَرَّى الصِّدْقَ فِي حديثه عنه،"فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا"وهو الواقِعُ، لأَنَّ بني هَاشِمٍ وبني أُمَيَّةَ أبناء عمومة، ينحدرون عن أصْلٍ واحدٍ.
"فَقَالَ: أَدْنُوهُ (3) مِنِّي"أي فأمر بتَقْرِيبِ أبِي سفيان منه وأدناه من مَجْلِسِهِ تَكْرِيِمًَا لَهُ وحفاوة به، ثُمَّ قال لهم:"وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ"أي وراء ظهره لئلا يَمْنَعُهُم الحَيَاءُ منه عن مواجهته بالتَّكْذِيبِ إذا كَذَبَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ"أي عن مُحَمَّدٍ،"فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ"، وذلك لِيَتَحَرَّى الصِّدْقَ فِي كلامه، ولا يَشْهَدُ إلّا بِالحَقِّ. قال أبُو سُفْيانَ:"فَوَاللَّهِ لَوْلاَ الحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا"أي يرووا عَنِّي الكَذِبَ فِي بلادي فَأُعَابُ به عند قَوْمِي"لَكَذَبْتُ عَنْهُ"أيْ لَكَذَبْتُ فِي الحديث عنه ووصفته بِخَلافِ الوَّاقِعِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
"ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ (4) أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟"أي فكان أوّل سؤال وجهه إليَّ قولَهُ: كيف نسبه فيكم؟ وهل هو ذُو نَسَبٍ شَرِيفٍ أم وَضِيعٍ؟"قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ"والتنكير للتعظيم، أي هو ذو نسب رفيع،