فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 2668

وقال الشِّهَابُ الخَفَاجِيِّ:"كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَرُّ بملاقاة جِبْرِيلَ وإمداده بِالبُشْرَى والكرامة فَيُحْسِنُ كما أَحْسَنَ الله إليه"اهـ.

الثَّانِي: مدارسة القرآن حيث كَانَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فيدارسه القرآن، أي يتناوب معه قراءة القرآن، فيقرأ جبريل عشرًا، ويقرأ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عشرًا آخر، أو يشتركان معًا في القراءة في وقت واحد، على طريقة القراءة الجماعية من المُدَارَسَةِ بمعنى المشاركة في القراءة. أو يكون معنى المُدَارَسَةِ"العرض"ومعناه أنْ يقرأ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحده وَجِبْرِيلُ يستمع إليه، كما جاء في بعض روايات البُخَارِيّ حيث قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"كَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، حَتَّى يَنْسَلِخَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القُرْآنَ". ويُحْتَمَلُ أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْتَعْمِلُ الطُّرُقَ الثَّلاثَ.

والحَاصِلُ أَنَّ سَبَبَ زِيَادَةِ جُوْدِهِ أمْرَان: الْتِقَاؤهُ بجِبْرِيلَ، وَمُدَارَسَتُهُ للقُرْآنِ:"فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ"أي كان نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكْرَمَ وأَكْثَرَ عَطَاءً وفِعْلًا للخَيْرِ، وأعْظَمَ نَفْعًَا للخَلْقِ من الرِّيحِ الطَّيِّبَةِ التي يُرْسِلُهَا اللهُ بِالغَيْثِ والرَّحْمَةِ، تَسُوقُ السَّحَابَ إلى الأَرْضِ المَيْتَةِ، تُحْيِّيهَا بِالنَبَاتِ الذي يتغذى به الحَيَوانُ، وينتفع به الإنْسَانُ. لأَنَّها قد تتخلف عن العطاء، أمَّا عَطَاؤُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا يَتَخَلَّفُ أَبَدًَا، ولا يقف عند حَدٍّ، ولأنّهَا إِنَّمَا تُعْطِي الدُّنْيَا فَقَطْ، أمَّا نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنَّهُ يُعْطِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ، لأنَّهُ جَاءَ بِنِعْمَةِ الإِسْلامِ التي تتحقق بِها سَعَادَةَ النَّاسِ فِي الدَّارَيْنِ، هذا بِالإِضَافَةِ إلى أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان مضرب الأمثال فِي جوده وكرمه، ففي الحديث عن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لاَ يُسْأَلُ شَيْئًا إِلاّ أَعْطَاهُ أَوْ سَكَتَ"أخرجه الحاكم (2) .

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أوَّلًا: الحَثُّ على الجُودِ والإفْضَالِ فِي كُلِّ الأوْقَاتِ - كما أفاده العيني - والزِّيادة منه فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وعند الاجْتِمَاعِ بِالصَّالِحِينَ اقْتِدَاءً به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ثانيًا: زِيَارَةُ الصُّلَحَاءِ وأهْلِ الفَضْلِ، ومُجَالَسَتِهِم، لأنّهَا سَبَبُ الخَيْرِ والصَّلاحِ.

ثالثًا: الإِكْثَارُ من البَذْلِ والعَطَاءِ والإِحْسَانِ وقِرَاءَةِ القُرْآنِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.

مطابقة الحديث للترجمة: فِي قَوْلِهِ رضي الله عنهما:"فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ .."لأنَّ القَصْدَ من هذه المُدَارَسَةِ تثبيتُ الْوَحْيِّ القُرْآنِيِّ فِي صِدْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

(1) قَالَ العَيْنِيُّ: (أجودُ ما يكون) والجُودُ أبْلغُ من السَّخَاءِ، ولذا يقال: إنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ جَوَادٌ ولا يُقَالُ سَخِيٌ.

(2) صححه الأَلْبَانِيّ فِي"صحيح الجامع الصغير وزيادته".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت