فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 2668

معنى الحديث: يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"كَانَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ"أي أنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يعانِي من نُزُولِ الْوَحْيِّ القُرْآنِيِّ مَشَقَّةً عَظِيمَةً، بِمَا يبذله من جهد كبير فِي تلاوة الآيات أثناء نزولها، وكان يتعب نفسه كثيرًا بسبب تَحْرِيكِ شفتيه بتلاوتِها مع جِبْرِيلَ أثناء نزولها، حيث كان يقرأها كَلِمَةً كَلِمَةً حِرْصًَا على حفظها، خشية أنْ يَتَفَلَّتْ منه القُرْآنَ، فكان يرهق نفسه في حفظ ما أنزل عليه من القُرْآنِ،"فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكُهُمَا"أي أنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حرّك شَفَتَيْهِ أمامهم، وقال: أنا أحرك شَفَتَيَّ أمَامَ أعينكم كتحريك النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهما. أراد بذلك أنْ يُؤكِّدَ لَهُم أنَّهُ شَاهَدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل ذلك، وفِي اسْتِطَاعَتِهِ أنْ يُمَثِّلَ لهم ما رآه عمليًا، وفي هذا دلالة قوية على أنَّه يروي هذا الحديث عن مشاهدةٍ وعيانٍ.

"فأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) "أي فلما جعل النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ أثناء الْوَحْيّ نَهَاهُ اللهُ عن تَحْرِيكِ لِسَانِهِ بتلاوة القرآن مُتَعَجِّلًا حفظه خشية نسيانه، وتَكَفَّلَ له بِحِفْظِهِ فِي قَوْلِه تَعَالَى: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ) قال جَمْعَهُ لك في صدرك، فتحفظه ولا تنساه أبدًا، كما قال تَعَالَى: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى) قال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: فَلَمْ يَنْسَ بعد نزول هذه الآية - إلاّ مَا شَاءَ اللهُ - حَتَّى مَاتَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (فإذَا قَرَأنَاهُ فَاتَّبعْ قُرْآنَهُ) أي قال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: معناه فاسْتَمِع للقُرْآنِ، وأَنْصِتْ إليه، ولا تُشْغِل نَفْسَكَ بِتَلاوَتَهِ أثناء نزوله، وتحرك به لِسَانَكَ، ولكن اسْكُت أثناء قِرَاءَتِهِ عليك، ولا تُجْهِد نفسك فِي حفظه، فإِنَّ علينا جَمْعَهُ فِي صَدْرِك". ومعنى قوله تَعَالَى: (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) كما يقول ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أنْ تَقْرَأهُ"."إِذَن"فهو على هذا التَّفْسِير ضَمَانٌ إِلَهِيٌّ للنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِ القُرْآنِ وقِرَاءَتِه كما أُنْزِل، يقول الله تَعَالَى فيه: إن كنت تخشى ضَيَاعَ القُرْآنِ منك فإنّا نضمن لك أنْ نُمَكِّنُكَ من حِفْظِهِ دون جهدٍ أو عناءٍ فتحفظه من غير حاجةٍ إلى قراءته مع جِبْرِيلَ أثناء نزوله."ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا"ثم إنَّا نَضْمَنُ لك أنْ تقرأه كله عن ظهرِ قَلْبٍ؛ قِرَاءَةٌ تَامَّةٌ كَامِلَةٌ كما أُنْزِلَ، فلا تنقص منه كلمة، ولا تنسى حرفًا! وهو مصداق قوله تَعَالَى: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى) ". فَكَانَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد ذلك الوعد الإلهي بحفظ القُرْآنِ له في صدره وقراءته كما أنزل؛"إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ"إلى الْوَحْيِّ القُرْآنِيِّ ساكتًا، وأصغى إليه ثقةً بوعد الله تعالى، وامتثالًا لأمره عَزَّ وَجَلَّ."فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَرَأَهُ"جِبْرِيلُ تَمَامًَا."

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أوَّلًا: ما كان يعانيه النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أثناء الْوَحْيِّ بِالقُرْآنِ من جَهْدٍ ومَشَقَّةٍ بسبب قِرَاءَةِ القُرْآنِ أثناء قِرَاءَةِ جِبْرِيلَ وتحريك شَفَتَيْهِ معه حرصًا على حفظه. ثانيًا: وَعْدُ اللهِ لنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحفظ القُرْآنِ، وقراءته كما أنزل، وهو مصداق قوله تَعَالَى (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى) .

والمطابقة: فِي قَوْلِ ابن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"كَانَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت