صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألف وَخَمْسمِائة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا. أخرجَا لَهُ مِائَتي حَدِيث وَعشرَة أَحَادِيث. اتفقَا مِنْهَا على ثَمَانِيَة وَخمسين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِسِتَّة وَعشْرين، وَمُسلم بِمِائَة وَسِتَّة وَعشْرين. روى عنه سعيد بن المسيب وأبو سلمة وعطاء. مَاتَ سنة ثَمَان وَسبعين بعد أَن كان قد عميَ. وَكَانَ عمره أَرْبعًا وَتِسْعين سنة، وَصلى عَلَيْهِ أبان بن عُثْمَان وَالِي الْمَدِينَة؛ وَهُوَ آخر الصَّحَابَة موتًا بِالْمَدِينَةِ.
الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.
معنى الحديث: أنَّ جابرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ"قَالَ: وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيّ"أي عن المُدَّةِ التي انْقَطَعَ فيها الْوَحْيّ عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكانت سنتين ونصف، كما في بعض الأحاديث التي ذكرها السُّهَيْليِ"فقال فِي حديثه"الذي يرويه عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ"أي قال النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سمعت أثناء مسيري بأطراف مَكَّة صَوْتًا غَرِيبًَا ينبعث مِنَ السَّمَاءِ فأثار ذلك الصَّوْتِ انْتِبَاهِي"فَرَفَعْتُ بَصَرِي"، أي فَشَخَصْتُ ببصري إلى أعلى كي أتعرّف على مصدر ذلك الصَّوْتِ"فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ"أي فلما نظرت إلى السَّمَاءِ فوجئت برؤية ذلك المَلَكِ الذي سبق له أنْ جَاءنِي بِحِرَاءٍ، وهو جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ قال:"فَرُعِبْتُ مِنْهُ"أي فأصابني بسبب مشاهدة ذلك الملك خَوْفٌ وفَزَعٌ شَدِيدٌ. كما فِي رواية مسلم حيث قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَجُثِثْتُ مِنْهُ فَرَقًا حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الأَرْضِ"أي غلب عَلَيَّ الخوف وارتْعَدَت فَرَائِصِي حَتَّى سَقَطُّتُ على الأرض؛"فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي"أي فشعرت ببرد شديد، وقشعريرة عظيمة ارْتَعَشَ لها جسمي؛ فأسرعت بالعودة إلى خَدِيجَةَ ألتمسُ عندها الأمن والطُّمَأْنِينَة، وأقول لها:"زَمِّلُونِي"أيْ لفُّونِي بِالثَّوْبِ، لأجِدُ في ذلك بعضَ الدِّفءِ؛ فأنزل الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ(1) قُمْ فَأَنْذِرْ) أيْ يا أيها المُتَلَفِّف بثيابه، هَدِّئ من روعك، وتَهَيَّأ لما يُوْحَى إليك فإنّا قَدْ بعثناك إلى النَّاسِ كافة، فَبَلِّغْهُم ما يُوْحَى إليك. قال القرطبي:"يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ: مُلَاطَفَةٌ فِي الْخِطَابِ مِنَ الْكَرِيمِ إِلَى الْحَبِيبِ إِذْ نَادَاهُ بِحَالِهِ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِصِفَتِهِ، وَلَمْ يَقُلْ يَا مُحَمَّدُ وَيَا فُلَانُ، لِيَسْتَشْعِرَ اللِّينَ وَالْمُلَاطَفَةَ مِنْ رَبِّهِ"اهـ (1) .
أي فأنزل الله عليه (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ(1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) فأمره الله تعالى أنْ يُعَظِّمَه وحده، ولا يرى كبيرًا سواه، وأنْ يتوكل عليه فِي تبليغ رسالته، ولا يَخْشَى أَحَدًَا، لأنَّه الكبير المتعال، القادر على حمايته ونصرته. كما أمره فِي قوله عَزَّ وَجَلَّ (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) بتطهير ثوبه وبدنه ومكانه من النَّجَاسَاتِ التي كان المشركون لا يتطهرون منها، وبتطهير قلبه عن سائر المعاصي والآثام، كما قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما؛ ثُمَّ ختم ذلك بقوله (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) وَالرُّجْزُ بضم الرَّاء على قراءة حفص هي الأصْنام، ومعناه: أنَّ الله أمره أنْ يُجَرِّد نفسه من العبودية لغير الله، والابتعاد عن عبادة الأصْنام وغيرها من الآلهة الباطلة، إذ لا معبود بِحَقٍّ إلاّ الله."فَحَمِيَ"