497 -عَنْ جَابِرٍ بنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:"لَمَّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ أَبْكِي، وَيَنْهَوْنِي عَنْهُ، وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَنْهَانِي، فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ تَبْكِي، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَبْكِينَ أَوْ لاَ تَبْكِينَ مَا زَالَتِ المَلاَئِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ» ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
497 -الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ والنَّسَائِيُّ.
معنى الحديث: عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:"لَمَّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ أَبْكِي"أيْ لَمَّا اسْتُشْهِدَ أبِي يوم أُحُدٍ صِرْتُ أكشف الثوب عن وجهه لأودعه الوداع الأخير وأنا أبكي،"فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ (1) تَبْكِي"، أي وصارت عمتي فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ الْأَنْصَارِيَّةُ تبكي أخاها عبد الله،"فقال النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"مبشرًا ومواسيًا لها في مصابها:"تَبْكِينَ أَوْ لاَ تَبْكِينَ!"، فإنَّ عزاءك فيه عظيم وبشراك كبيرة وحسبك عزاءً أنه"مَا زَالَتِ المَلاَئِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ"، أي استمرت تظلله تكريمًا له حتى رفعتموه عن النعش إلى مثواه الأخير.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:"جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ".
وَيُسْتَفَادُ مِنَ الحَدِيِثَيْنِ مَا يَأْتِي:
أولًا: مشروعية الدخول على الميّت إذا أدرج في كفنه، كما ترجم له البُخَارِيّ، لأن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل على عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ بعد غسله وتكفينه، كما فِي الحديث الأول، ولأنَّ جابرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لما استشهد أبوه يوم أحد جعل يكشف الثَّوب عن وجهه، كما فِي الحديث الثَّاني، وثوب الشَّهِيدِ بِمَنْزِلَةِ كَفَنِهِ.
ثانيًا: أنَّ التَّزْكِيَةِ القطعية لأي إنسان تَجُوزُ فِي الأمور الماضية لا فِي المستقبلة لأنَّ المستقبل غيب، فلا يَجُوزُ القطع لأَحَدٍ بالجنة إلاّ من شهد له النَّبِيّ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأم العلاء فِي عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ:"وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ؟". كما قال القسطلاني وذكرناه قبل:"لا يُجْزَمُ فِي أَحَدٍ بِأنَّهُ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ إِلا إنْ نَصَّ عليه الشَّارِعُ كَالعَشَرِةِ، لا سِيَّمَا والإخْلاصُ أَمْرٌ قَلبِيٌّ لا يُطَّلَعَ عَلَيْهِ". قَالَ العَيْنِيُّ:"ويجوز أن نثني على الميت بالخير بأنْ نقول فيه كما قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الخَيْرَ". قال فِي"العقيدة الطحاوية":"وَنَرْجُو لِلْمُحْسِنِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَيُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، وَلَا نَأْمَنُ عَلَيْهِمْ، وَلَا نَشْهَدُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَنَسْتَغْفِرُ لِمُسِيئِيهِمْ، وَنَخَافُ عَلَيْهِمْ، وَلَا نُقَنِّطُهُمْ"."