فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 2668

"فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا"أي: لا دَاعِيَ لهذا الخوف والقلق، فليس الشَّيْءُ الذي رأيته من الأشياء الكريهة التي تَسْتَوْجِبُ الخوف والهلع والفزع."وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا" (6) . أي أُقْسِمُ باللهِ أنَّهُ لن يصيبك هَوَانٌ أو مَكْرُوهٌ، أو ينالك ذُلٌّ أو فَضِيحَةٌ مدى الحياة لأَنَّكَ على جانبٍ عظيمٍ من مكارم الأخلاق، وصنائع المعروف تقي مَصَارِعَ السُّوْءِ،"إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ"أي تُحْسِن إلى أقاربك بالبذل والعطاء، والخدمة والسَّمَاحَة، وطلاقة الْوَجْهِ، وقد كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شديد الحِرْصِ على الإحسان إلى قرابته، ولو كانوا كفارًا. فقد روى ابن عبد البر وكذا ابن قتيبة قالا:"أغارت خيل رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على هَوَازن فَأَخَذُوا الشَّيْمَاء أُخْت رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الرَّضَاعَةِ واسْمهَا حذاقة؛ فيمن أخذُوا من السَّبْي. فَقَالَت لَهُم: أَنا أُخْت صَاحبكُم. فَلَمَّا قدمُوا بِهَا على رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَت لَهُ: يَا مُحَمَّد! أَنا أُخْتُّكَ وعَرَّفَتْهُ بِعَلامَةٍ عَرَفَهَا. فَرَحَّبَ بِهَا وَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ فأجْلَسَهَا عَلَيْهِ وَدَمِعَتْ عَيْنِاهُ وَقَالَ لَهَا:"إِنْ أَحْبَبْتِ فَأَقِيمِي عِنْدِي مُكَرَّمَةً مُحَبَّبَةً؛ وَإِنْ أَحْبَبْتِ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى قَوْمك"فَقَالَت:"بل أرجع إِلَى قومِي"؛ فَأسْلَمَتْ فَأَعْطَاهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةَ أَعْبُد وَجَارِيَة وَأَعْطَاهَا نِعَمًَا وَشَاءً" (7) .

"وَتَحْمِلُ الكَلَّ"بفتح الكاف وتشديد اللام، - وهو فِي الأصَّل الثِّقَل ويطلق على الإِنْسانِ العاجزِ عن مؤنة عياله، لثقل أعباء الحياة عليه -، أي وتساعد العجزة والضُّعفاء، وتعينهم، وتحمل عنهم أعباء حياتهم، فإنْ كانوا فقراء أعطيتهم، وبذلت لهم من مالك، وإنْ كانوا مرضى واسيتهم، وإنْ كانوا في ضيق فَرَّجْتَهُ عنهم، ثم إنَّك تحمل من الصِّعاب والشَّدائد ما لا يحمله غيرك، لما فطرك الله عليه من الشَّجَاعَةِ والصَّبْرِ على المكاره."وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ" (8) قيل المعدوم هو الإِنسان الضَّعِيِفِ العاجِزِ عن الكسب؛ سُمِّيَ معدومًا لعجزه عن التَّصرف فتكون رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قد وصفته بمساعدة العجزة والضُّعَفَاء، والبذل لهم من ماله. ويحتمل أنَّها أرادت كل هذه المعاني، فإنّها كلها تنطبق عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ."وَتَقْرِي الضَّيْفَ"أي وتقوم بِضِيَافَةِ الضَّيْفِ، وتكريمه بِمَا يليق به، والقِرى بكسر القاف: الطَّعام الذي يقدَّم للضَّيْف، فهي تصفه بإكرام الضَّيْف، وتقديم الطعام له، والقيام بواجبه، والتَّرْحيب به، وطلاقة الْوَجْهِ عند مقابلته."وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ"أي وتعين الناس عند وقوع الحوادث، وتقف من ذلك في جانب الحق فتناصر المظلوم، وتأخذ على يد الظالم، وتُسْعِفَ المَلْهُوفِ، وتجير من استجار بك، قَالَ العَيْنِيُّ: النَّوَائبُ جَمْعُ نَائِبَةٍ وَهِيَ الْحَادِثَة والنَّازِلَةِ خيرًا أَو شَرًّا وَإِنَّمَا قَالَ:"نَوَائِبِ الحَقِّ"لِأَنَّهَا تكون فِي الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، والنَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يُعِينُ على بَاطِلٍ، فلا يُعِينُ ظَالِمًَا عَلَى ظُلْمِهِ. هذا وقَدْ شَمَلَتْ هذه الأَوْصَاف المَحَاسِن كلها. وكَأنَّها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أرادت أنْ تصفه بالكمال الإنْسَانِيِّ الذي لا يشوبه نَقْصٌ.

"فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ"أي ذَهَبَتْ به إلى وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ"ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ"لأنَّ والدها خويلد بن أسدٍ ووالده نوفل ابن أسدٍ أخوان."وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ"أي اعتنق النَّصْرانِيَّة، وترك عبادةَ الأوثان، وذلك أنَّهُ سافر مع زيد بن نوفل إلى الشَّام، واتصل بالرُّهْبَان، ودرس عليهم وأخذ عنهم النَّصْرانِيَّة، ولَمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت