أيْ وكان يقام على الزَّوْرَاءِ (بفتح الزاي وسكون الواو) قال البُخَارِيّ: وهو مَوْضِعٌ بِسُوقِ المَدِينَةِ. وذكر الشَّيْخُ عطية سالم:"أنَّهُ في مَوْضِعِ المَسْجِدِ المَعْرُوفِ بِمَسْجِدِ السَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ الكائن بباب المصري" (6) .
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لصَلاةِ الجُمُعَةِ على عَهْدِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَيْهِ سِوَى أَذَانٌ وَاحِدٌ عند جُلُوسِ الإمَامِ على المِنْبَرِ، وأنَّ الأَذَانَ الذي يقام اليوم على المَنَائِرِ أَحْدَثَهُ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ومِنْ ثَمَّ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِيهِ. قال القاري:"ذكر ابْن عبد الحكم عَن مَالك: إِذا جَلَسَ على الْمِنْبَرِ ونادى الْمُنَادِي مُنِعَ النَّاسُ من البَيْعِ تِلْكَ السَّاعَةِ، هَذَا يَدُلُّ على أَنَّ النِّدَاءَ عِنْدهُ وَاحِدٌ بَين يَدي الإِمَامِ، وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي، وَيشْهد لَهُ حَدِيثُ السَّائِبِ: (لَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤَذِّنٌ غَيْرَ وَاحِدٍ) ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يكون أَرَادَ بِلَالًا لمواظبته على الْأَذَانِ دون ابْن أم مَكْتُوم وَغَيْرِهِ"اهـ (7) . وقال فِي"بداية المجتهد":"وَأَمَّا الْأَذَانُ: فَإِنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ وَقْتَهُ هُوَ إِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُؤَذِّنُ بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ فَقَطْ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ؟ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يُؤَذِّنُ بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ فَقَطْ، وَهُوَ الَّذِي يَحْرُمُ بِهِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ يُؤَذِّنُ اثْنَانِ فَقَطْ. وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ إِنَّمَا يُؤَذِّنُ ثَلَاثَةٌ".
وَذَهَبَ الحَنَفِيَّةُ:"إلى مَشْرُوعِيَّةِ الْأَذَانِ الذي أحْدَثَهُ عُثْمَانُ لمُوَافَقَةِ الصَّحَابَةِ عليه"اهـ (8) .
ثانيًا: مَشْرُوعِيَّةُ جُلُوسِ الإِمَامِ على المِنْبَرِ، ولا خلاف فيه.
والمطابقة: فِي كَوْنِ الحديث بِمَنْزِلِ الجَوَاب للترجمة.
(1) سُمِّيَ عام الجحاف، لأنَّ مَكَّة شهدت فيه سَيْلًا قَوَيًَّا ذَهَبَ بالحُجَّاجِ، وأغرق بيوت مَكَّة، وجَحَفَ كُلَّ شَيْءٍ مَرَّ بِهِ. وكان ذلك سَنَةَ ثَمَانِينَ. (انظر: تاريخ الطبري 6/ 325) .
(2) القَدَرِيَّةُ: هُمُ الذين يثبتون للعبد قُدْرَة يفعل بِها ما اخْتَارَ فِعْلُه. (انظر: الفصل في الملل لابن حزم 3/ 22) .
(3) أوردها كُلٌّ من الذَّهَبِيّ فِي"تذكرة الحفاظ": 1/ 191. وابن حجر فِي"تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ": 9/ 305. نقلًا عن الواقدي باختصار يسير.
(4) سَرَدَ: أيْ تَابَعَ الصِّيام بلا انقطاع.
(5) الطَّيْلَسَانُ: نوعٌ من الألبسة ذات اللون الأسود. وأكثر استعماله فِي الشِّتَاءِ. وهو فارسي معرب من (تالسان) . (انظر: تَهْذِيِبُ اللغة 12/ 333. وتاج العروس 4/ 179 مادة: طَلَسَ) .
(6) "تكملة أضواء البيان"لفضيلة الشيخ عطية سالم.
(7) "شرح العيني على البُخَارِيّ": (بابُ الأذَانِ يَوْمَ الجُمُعَةِ) ج 6 ص 211.
(8) "بداية المجتهد": [الْفَصْلُ الثَّانِي فِي شُرُوطِ الْجُمُعَةِ] ج 1 ص 168.