(د) التَّسْخِيرُ الغَرِيزِىُّ للحَيَوَانِ (2) : كقوله تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ(68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ): أي أنَّ الله سخرها عن طريق الغريزة أنْ تصنع هذه الأشياء العجيبة.
(هـ) الوَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِيَّةُ: ومنه قوله تعالى: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ) . وإِنَّمَا سُمِّيَ"الإِلْهَامُ"و"التَّسْخِيرُ الغَرِيزِىُّ"و"الوَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِيَّةُ"وَحْيًَا، لأنّهَا إعْلامٌ فِي خَفَاءٍ، والعرب تُسَمِّي الإعْلامَ الخَفِيَّ وَحْيًا، قال الكسائي:"تقول وحيت إليه إذا كلمته بكلام تخفيه عن غيره".
أمَّا الْوَحْيّ شَرْعًَا:"فهو إعْلامُ اللهِ تَعَالَى لنَبِيٍّ من أنْبِيَائِهِ بِالشَّرِيعَةِ الْمُنَزَّلَةِ عليه، وما يَتَعَلَّقُ بِهَا من أخبار وأحكام؛ سَوَاءً كان هذا الإِعْلامُ الْإِلَهِيّ مَنَامًَا أو إلْهَامًَا أو كَلامًَا بِوَاسِطَةٍ أو بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ. وِإِنَّمَا سُمِّيَ إعْلامُ اللهِ لأَنْبِيَائِهِ وَحْيًَا لأَمْرَيْنِ:"
أوَّلًا: لأنَّهُ يأتِي غالبًا إِلى الأَنْبِيَاءِ فِي سِرِّيَّةٍ وخَفَاءٍ، وأصْلُ الْوَحْيّ فِي اللُّغَةِ"الإِعْلامُ الخَفِيّ".
ثانيًا: أنَّهُ غالبًا مِمَّا يتم فِي سُرْعَةٍ شَدِيدَةٍ حَتَّى أنَّ القَسْطَلانِيّ قال:"والتَّلَقِّي من المَلَكِ والرُّجُوعِ إلى البَشَرِيَّةِ وفَهْمِهِ مَا أُلْقِيَ إليه كُلّهُ كَأنَّهُ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ بل أقْرَبِ مِنْ لَمْحِ البَصَرِ، ولذا سُمِّيَ وَحْيًا لأَنَّ الْوَحْيّ فِي اللُّغَةِ الإسْرَاع"اهـ (3) . والحَاصِلُ أنَّهُ سُمِّيَ وَحْيًَا لما يَتَّصِفُ بِهِ غَالِبًَا من الخَفَاءِ والسُّرْعَةِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُم:"الْوَحْيّ شَرْعًَا هو إلْقَاءُ اللهِ تَعَالَى الكَلامَ أو المعنى في نفس النَّبِيّ بِخَفَاءٍ وسُرْعَةٍ". ولكِنَّ هذا التَّعْرِيفُ فِي الحقيقة، لا ينطبق على الْوَحْيّ في كل الأَحوال، فليس كل وحي يأتي إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سرعة وخفاء، فقد يأتي أحيانًا عَلانيةً، ويلقاه جبريل أمام أصحابه، فيرونه ويشاهدونه، ويسأل النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويجيبه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو بين أظهرهم، وَيقُولُ لَهُم النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ". وقَدْ تَطُولُ مُدَّةَ نُزُولِ الْوَحْيّ، ويَسْتَغْرِقُ فَتْرَةً من الزَّمَنِ، كما دَلَّتْ عليه الأحاديث الصَّحِيْحَةِ، فالسِّرِيَّةِ والسُّرْعَةِ ليست صفة لازمة للوَحْيّ، ولا حالة مطرِّدَة فيه، وإِنَّمَا هي حالة أغلبية.
(1) ديوانه: 297
(2) الْوَحْيّ المحمدي للسيد رشيد رضا.
(3) "إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري":"بابٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ"ج 1 ص 60.