قال النَّوَوِيّ:"هَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِيهَا فَوَائِدُ مِنْهَا: أَنَّ أَعْضَاءَ السُّجُودِ سَبْعَة، ٌ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلسَّاجِدِ أَنْ يَسْجُدَ عَلَيْهَا كُلِّهَا، وَأَنْ يَسْجُدَ عَلَى الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ جَمِيعًا. فَأَمَّا الْجَبْهَةُ فَيَجِبُ وَضْعُهَا مَكْشُوفَةً عَلَى الْأَرْضِ وَيَكْفِي بَعْضُهَا، وَالْأَنْفُ مُسْتَحَبٌّ، فَلَوْ تَرَكَهُ جَازَ، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَتَرَكَ الْجَبْهَةَ لَمْ يَجُزْ. هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيّ وَمَالِكٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَالْأَكْثَرِينَ. وقال أَبُو حَنِيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وابن الْقَاسِمِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ لَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ. وَقَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى وابن حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:"يَجِبُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ جَمِيعًا لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ". قَالَ الْأَكْثَرُونَ: بَلْ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُمَا فِي حُكْمِ عُضْوٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ سَبْعَةٍ فَإِنْ جُعِلَا عُضْوَيْنِ صَارَتْ ثَمَانِيَة؛ ً وَذَكَرَ الْأَنْفَ اسْتِحْبَابا"اهـ (3) . قَوْلُهُ:"وَالْيَدَيْنِ"؛ قَالَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ: الْمُرَادُ بِهِمَا الْكَفَّانِ لِئَلَّا يَدْخُلَ تَحْتَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنِ افْتِرَاشِ السَّبُعِ وَالْكَلْبِ"اهـ (4) ."
وقال ابن قدامة: ("فَصْلٌ: وَالسُّجُودُ عَلَى جَمِيعِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَاجِبٌ، إلَّا الْأَنْفَ، فَإِنَّ فِيهِ خِلَافًا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبِهَذَا قَالَ طَاوُسٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ: لَا يَجِبُ، السُّجُودُ عَلَى غَيْرِ الْجَبْهَةِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(سَجَدَ وَجْهِي) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّجُودَ عَلَى الْوَجْهِ، وَلِأَنَّ السَّاجِدَ عَلَى الْوَجْهِ يُسَمَّى سَاجِدًا، وَوَضْعُ غَيْرِهِ عَلَى الْأَرْضِ لَا يُسَمَّى بِهِ سَاجِدًا، فَالْأَمْرُ بِالسُّجُودِ يَنْصَرِفُ إلَى مَا يُسَمَّى بِهِ سَاجِدًا دُونَ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ السُّجُودُ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ لَوَجَبَ كَشْفُهَا كَالْجَبْهَةِ"اهـ (5) .
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:"وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ".
(1) "فتح الباري"لابن حجر:"بَابُ السُّجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ"ج 2 ص 296.
(2) "مواهب الجليل": (وَأَعَادَ لِتَرْكِ أَنْفِهِ بِوَقْتٍ) ج 1 ص 521.
(3) "شرح النَّوَوِيّ على مسلم": (باب أَعْضَاءِ السُّجُودِ وَالنَّهْيِ عَنْ كَفِّ الشَّعْرِ وَالثَّوْبِ) ج 4 ص 208.
(4) وهو الذي تؤيده الأدلة. (ع) .
(5) "الْمُغْنِي"لابن قدامة: [مَسْأَلَة أَوَّلُ مَا يَقَعُ مِنْهُ عَلَى الْأَرْضِ عِنْد السُّجُود رُكْبَتَاهُ] ج 1 ص 370.