ثانيًا: مَشْرُوعِيَّةُ الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، أمَّا مَشْرُوعِيَّتُهُ فِي السُّجُودِ فلا خلاف فيه، وأمَّا مَشْرُوعِيَّتُهُ فِي الرُّكُوعُ - كما ترجم له البُخَارِيّ فقد ذهب إليه بعض أهل العلم عملًا بهذا الحديث، وكَرِهَهُ مَالِكٌ والشَّافِعِيّ وأَبُو حَنِيْفَةَ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ" (4) . قال في"المنتقى شرح الموطأ":"وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ الدُّعَاءَ فِي الرُّكُوعِ؛ إنَّمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الرُّكُوعِ وَهَذَا يَقْتَضِي إفْرَادَهُ لِذَلِكَ وَوَجْهٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّهُ خَصَّ كُلَّ حَالَةٍ مِنْ الْحَالَتَيْنِ بِنَوْعٍ مِنْ الْعَمَلِ فَالظَّاهِرُ اخْتِصَاصُهُ بِهِ وَإِلَّا بَطَلَتْ فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ فَلَا يُعْدَلُ عَنْ هَذَا"اهـ (5) .
وقال فِي"نَيْلِ الأَوْطَارِ":"قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) يُؤْخَذُ مِنْهُ إبَاحَةُ الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ. وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ كَرِهَ فِيهِ كَمَالِكٍ. وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِالْكَرَاهَةِ بِحَدِيثِ مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِلَفْظِ: «أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ .... » الْحَدِيثَ، وَلَكِنَّهُ لَا يُعَارِضُ مَا وَرَدَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى إثْبَاتِ الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ، لِأَنَّ تَعْظِيمَ الرَّبِّ فِيهِ لَا يُنَافِي الدُّعَاءَ، كَمَا أَنَّ الدُّعَاءَ فِي السُّجُودِ لَا يُنَافِي التَّعْظِيمَ"اهـ (6) .
والمطابقة: فِي كَوْنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ:"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي"والاسْتِغْفَارِ دُعَاءٌ.
(1) قال في"المجموع شرح المهذب":"التَّسْبِيحُ فِي اللغة معناه التَّنْزِيهِ. قال الواحدى: أجمع الْمُفَسِّرُونَ وَأَهْلُ الْمَعَانِي عَلَى أَنَّ مَعْنَى تَسْبِيحِ الله تعالى تنزيهه وتبرئته من السوء. قَالَ: وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ التَّبْعِيدُ مِنْ قَوْلِكَ: سَبَحْتُ فِي الْأَرْضِ إذَا بَعُدْتَ فِيهَا. وَسُبْحَانَ الله منصوب على المصدر عنه الْخَلِيلِ وَالْفَرَّاءِ؛ كَأَنَّكَ قُلْتَ: سُبْحَانًا وَتَسْبِيحًا فَجُعِلَ السُّبْحان موضع التَّسبيح. قال سيبويه: سَبَّحْتُ اللَّهَ سُبْحَانًا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَالْمَصْدَرُ التَّسْبِيحُ، وَسُبْحَانَ اسْمٌ يَقُومُ مَقَامَ الْمَصْدَرِ وَبِحَمْدِهِ سَبَّحْتُهُ، فحذف سَبَّحْتُهُ اختصارًا أو يكون قَوْلُهُ: وَبِحَمْدِهِ حَالًا أَيْ حَامِدًا سَبَّحْتُهُ. وَقِيلَ: معناه وبحمده ابتدئ".
(2) "التمهيد لما فِي الموطأ": ج 16 ص 118.
(3) قال الشيخ الأَلْبَانِيّ في"صحيح ابن خزيمة":"إسناده ضعيف: إياس بن عامر ليس بالقوي كما قال الذَّهَبِيّ". وقال فِي"مسند أحمد ط الرسالة":"إسْنَادُهُ مُحْتَمِلٌ للتَّحْسِينِ. إياس بن عامر الغافقي لم يرو عنه غير ابن أخيه موسى بن أيوب، وذكره ابن أبي حاتم 2/ 281 ولم يأثر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال الذَّهَبِيّ في"تلخيص المستدرك"1/ 225: ليس بالمعروف؛ كذا قال. وأمَّا أبو سعيد بن يونس صاحب"تاريخ المصريين"فقال: كان من شيعة عليٍّ، والوافدين عليه من أهْلِ مِصْرَ، وشهد معه مشاهده. وقال العجلي: لا بأس به. وقال ابن حبان فِي"صحيحه"5/ 226: إياس بن عامر من ثقات المصريين. قلنا: وباقي رجال الإسناد ثقات"اهـ.
(4) قال فِي"صحيح ابن حبَّان مُحَقَّقًَا":"إِسْنَادُهُ صَحِيِحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِم. وأخرجه الشَّافِعِيّ في المسند 1/ 82، وعبد الرزاق"2839"، وأحمد 1/ 219، وابن أبي شيبة 1/ 248، 249"ج 5 ص 222"اهـ."
(5) "المنتقى شرح الموطأ": [الْعَمَلُ فِي الْقِرَاءَةِ] ج 1 ص 149.
(6) "نَيْلِ الأَوْطَارِ": [بَابُ الذِّكْرِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ] ج 2 ص 286.