ثانيًا: يُسْتَحَبُ تَطْوِيلِ الرَّكْعَةَ الأُولَى عن الثَّانِيَةِ، وهو مذهب المالكية ومحمد بن الحسن والكثير من الشَّافِعِيَّة، وذهب الحنفية إلى اسْتِحْبَابِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا لِقَوْلِ سَعْدٍ"فَأَرْكُدُ فِي الأُولَيَيْنِ"أيْ أُطِيلُ فِيهِمَا.
ثالثًا: الإِسْرَارُ فِي الصَّلاةِ النَّهَارِيَّةِ للإِمام، والمنفرد معًا، وهو مذهب مالك والشَّافِعِيّ، وقال أحمد فِي المشهور عنه:"لا يستحب للمنفرد، وإِنَّمَا هو بالخيار"، وهو مذهب أبي حنيفة. قَالَ ابن قدامة في"الْمُغْنِي":"وَيُسِرُّ بِالْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَيَجْهَرُ بِهَا فِي الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَفِي الصُّبْحِ كُلِّهَا. الْجَهْرُ فِي مَوَاضِعِ الْجَهْرِ، وَالْإِسْرَارُ فِي مَوَاضِعِ الْإِسْرَارِ، لَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ فِعْلُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِنَقْلِ الْخَلَفِ عَنْ السَّلَفِ، فَإِنْ جَهَرَ فِي مَوْضِعِ الْإِسْرَارِ، أَوْ أَسَرَّ فِي مَوْضِعِ الْجَهْرِ، تَرَكَ السُّنَّةَ، وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ، إلَّا أَنَّهُ إنْ نَسِيَ فَجَهَرَ فِي مَوْضِعِ الْإِسْرَارِ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي أَثْنَاءِ الْقِرَاءَةِ، بَنَى عَلَى قِرَاءَتِهِ، وَإِنْ أَسَرَّ فِي مَوْضِعِ الْجَهْرِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا يَمْضِي فِي قِرَاءَتِهِ. وَالثَّانِيَةُ يَعُودُ فِي قِرَاءَتِهِ. عَلَى طَرِيقِ الِاخْتِيَارِ، لَا عَلَى طَرِيقِ الْوُجُوبِ، إِنَّمَا لَمْ يَعُدْ إذَا جَهَرَ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِزِيَادَةٍ."
فَصْلٌ: وَهَذَا الْجَهْرُ مَشْرُوعٌ لِلْإِمَامِ، وَلَا يُشْرَعُ لِلْمَأْمُومِ بِغَيْرِ اخْتِلَافٍ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ مَأْمُورٌ بِالْإِنْصَاتِ لِلْإِمَامِ وَالِاسْتِمَاعِ لَهُ، بَلْ قَدْ مُنِعَ مِنْ الْقِرَاءَةِ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ، وَكَذَلِكَ مَنْ فَاتَهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ فَقَامَ لِيَقْضِيَهُ مِنْ الْمَغْرِبِ أَوْ الْعِشَاءِ، فَقَامَ لِيَقْضِيَ، أَيَجْهَرُ أَوْ يُخَافِتُ؟ قَالَ: إنْ شَاءَ جَهَرَ، وَإِنْ شَاءَ خَافَتَ"اهـ (4) ."
والمطابقة: في قوله رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الكِتَابِ".
(1) أي وكذلك كان يُطَوِّل الرَّكعة الأولى عن الثَّانية في العَصْرِ والصُّبْحِ، والله أعلم.
(2) فإنْ نسيها في ركعة بَطَلَت صلاته عند الشَّافِعِيّ، وهو مذهب أحمد في الرِّوَايَة المشهورة عنه، ورواية عن مالك.
(3) قال ابن بطال:"إنَّ حديث أبى قتادة هذا من رواية همام بَيِّنٌ في ردِّ قول الكُوفيين ومن وافقهم أنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ إنْ شَاءَ قَرَأَ فِيهِمَا وإنْ شَاءَ سَبَّحَ؛ لأنَّ هَمَّامًا بيَّن في روايته لهذا الحديث أنَّ النَّبِىَّ عَلِيهِ السَّلامُ، قَرَأَ فِى الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ من الظُّهْرِ بفاتحة الكتاب، وقال: إنَّه كان يُسْمِعُهُم الآية أحيانًا، فَثَبَتَ قَوْلُ من أوجب القراءة في كل ركعة وسَقَطَ قَوْلُ من قال بالتَّسْبيح فِي الأُخْرَيَيْنِ من الظُّهْرِ والعَصْرِ؛ لأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بالسُّنَّةِ الثَّابتة، وأيْضًا فإنَّه عَلِيهِ السَّلامُ قال: (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) ، ولما كانت الركعة الواحدةُ صلاةً، بإجماع أنَّ الوتر ركعة وهى صلاة، دل أنَّ القراءة واجبة في كل ركعة بفاتحة الكتاب"اهـ. (شرح صحيح البُخَارِيّ لابن بطال ج 2 ص 393) .
(4) "الْمُغْنِي"لابن قدامة: [فَصْلٌ الْجَهْرُ مَشْرُوعٌ لِلْإِمَامِ وَلَا يُشْرَعُ لِلْمَأْمُومِ] ج 1 ص 407.