يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ يقول في تسمية تابعي أهل مَكَّة ومُحَدِّثيهم: محمد بن جبير". وذكره مُحَمَّد بْن سعد فِي الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة. وَقَال العجلي:"مدنيٌّ، تابعيٌّ، ثِقَةٌ". وَقَال ابْن خراش:"ثِقَةٌ". وتوفي في خلافة سُلَيْمان بْن عَبد المَلِك."
الحديث: أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ غير النَّسَائِيّ.
معنى الحديث: يَقُولُ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"سَمِعْتُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِالطُّورِ"، الباء زائدة والمعنى سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ سُوَرَةَ الطُّورِ فِي صَلاةِ المَغْرِبِ."وَذَلِكَ أَوَّلَ مَا وَقَرَ الإِيمَانُ فِي قَلْبِي". قال في"المنهل العذب": وظاهره أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ بعض السُّوْرَةِ في الرَّكْعَةِ الأُوْلَى، والبعض فِي الثَّانِيَةِ (1) . وأمّا رواية الزُّهْرِيّ:"أنه قرأ ذلك في العَتَمَةِ"أيْ فِي العِشَاءِ؛"فإنَّه من رواية ابن لهيعة، وهي ضعيفة، كما قال ابن عبد البر، ولا يُحْتَجُّ بِهِ إذا انفرد. ومُحَاوَلَةُ صَرْفِ الحَدِيثِ عن ظاهره تَكَلُّفٌ لا دَاعِيَ له مَا دَامَ أنَّ التَّطْوِيلَ جَائِزٌ، والأَمْرُ وَاسِعٌ؛ كما قال ابن قدامة."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: أنَّه يُسَنّ الجهر بِالقِرَاءَةِ فِي المَغْرِبِ. وسائر الصَّلَوَاتِ اللَّيْلِيَّةِ، لأنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ لَمْ يَجْهَرْ لَمَا سَمِعَهُ جُبَيْرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإِنْ تَعَمَّدَ الإِسْرَارِ فيها كان تاركًا للسُّنَّةِ، ولا تبطل صلاته عند أكثر أهل العلم، وعن بعض المالكية تبطل فِي العمد، ولا تبطل في الإِسْرَارِ سهوًا اتفاقًا، وعليه سُجُود السَّهْوِ.
ثانيًا: جَوَازُ التَّطْوِيلِ بِالقِرَاءَةِ فِي المَغْرِبِ، أمَّا الأحاديثُ الدَّالَةِ على التَّخْفِيفِ فيها فإنَّها لبيان الاسْتِحْبَاب، وهذا لبيان الجواز، قال فِي"إرشاد السَّاري":"وجمع ابن المنير بين الآثار المختلفة فِي إطالة القِرَاءَةِ فِي المَغْرِبِ وتَخْفِيفِها، بِأَنْ تُحْمَلَ الإطالة على النُّدْرَةِ تنبيهًا على المشروعية، وَيُحْمَلَ التَّخْفِيفُ على العادة تنبيهًا على الأَوْلَى، قال: ولذلك قَالَ فِي الإِطَالَةِ: سمعته يَقْرَأُ، وفِي التَّخْفِيفِ كان يَقْرَأُ"اهـ (2) . وأمَّا ما نَسَبَهُ التِّرْمِذِيّ إلى مَالِكٍ من كَرَاهِيَةِ التَّطْوِيلِ فهو قَوْلٌ غَرِيبٌ، والمعروف عند المَالِكِيَّةِ: أنَّهُ لا كَرَاهَةَ فيه كما نقله الزَّرقاني عن ابن عبد البر.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"سَمِعْتُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِالطُّورِ".
(1) "المنهل العذب على سنن أبي داود"للشيخ محمود خطاب السبكي.
(2) "إرشاد السَّارِي":"بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الْمَغْرِبِ"ج 2 ص 90.