فهرس الكتاب

الصفحة 764 من 2668

تَعَالَى على أنَّه إمَّا أنْ يَنْتَهِيَ هؤلاء العابثون عن رَفْعِ أَبْصَارَهُمْ فِي الصَّلاةِ، أو يَخْطَفُ اللهُ منهم أبْصَارَهُم، ويأخذها بِسُرْعَةٍ وَفَجْأَةً فلا يشعرون إلاّ وقد فقدوا حاسة البصر جَزَاءً لهم على اسْتِهَانَتِهِمْ بالصَّلاةِ.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أوَّلًا: تَحْرِيمُ رَفْعِ الْبَصَرِ عَمْدًَا أثْنَاءَ الصَّلاةِ لغير حَاجَةً، لأنَّ هذا الوعيد الذي يأخذ بالبصر لا يكون إلاّ على ارتكاب مَعْصِيَةٍ، وذلك لأنَّه ينافي الخُشُوعَ فِي الصَّلاةِ، ولهذا قال ابنُ حَزْمٍ:"رَفْعُ البَصَرِ يُفْسِدُ الصَّلاةَ". أمَّا جمهور أهل العلم فَإنَّهُم كَرِهُوا ذلك، إلاّ أنَّه لا يُفْسِدُ الصَّلاةَ عندهم. قال الحافظ في"الفتح":"قَالَ بن بَطَّالٍ: أَجْمَعُوا عَلَى كَرَاهَةِ رَفْعِ الْبَصَرِ فِي الصَّلاةِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ خَارِجَ الصَّلَاةِ فِي الدُّعَاءِ فَكَرِهَهُ شُرَيْحٌ وَطَائِفَةٌ وَأَجَازَهُ الْأَكْثَرُونَ لِأَنَّ السَّمَاءَ قِبْلَةُ الدُّعَاءِ كَمَا أَنَّ الْكَعْبَةَ قِبْلَةُ الصَّلَاةِ. قَالَ عِيَاضٌ: رَفْعُ الْبَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلاةِ فِيهِ نَوْعُ إِعْرَاضٍ عَنِ الْقِبْلَةِ وَخُرُوجٌ عَنْ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ"اهـ (2) .

أمَّا تَغْمِيضُ العَيْنِ؛ فَقَدْ كَرِهَهُ الحَنَفِيَّةُ، وقَالَ مَالِكٌ:"لا بَأْسَ بِهِ"، وقال النَّوَوِيّ:"المُخْتَارُ أنَّه لا يُكْرَهُ". قال فِي"فتح الباري"لابن رجب:"وأمَّا تَغْمِيضُ البَصَرِ فِي الصَّلاةِ، فاختلفوا فِيهِ: فَكَرِهَهُ الأَكْثَرُونَ، منهم: أبو حنيفة والثوري والليث وأحمد. قَالَ مُجَاهِد: هُوَ من فِعْلِ اليَهُودِ. وفي النَّهْيِّ عَنْهُ حَدِيْث مرفوع، خرَّجه ابْنُ عَدِيٍّ، وإسناده ضَعِيفٌ. وَرَخَّصَ فِيهِ مَالِكٌ. وَقَالَ ابن سيرين: كَانَ يؤمر إذا كَانَ يكثر الِالْتِفَاتَ فِي الصَّلاةِ أنْ يُغْمِضَ عَيْنَيْهِ"اهـ (3) .

ثانيًا: أنَّ مِنْ آدَابِ النَّصِيحَةِ فِي المجالس العَامَّةِ عدم التَّعْيِينِ أو توجيه الخطاب المباشر لما فيه من الاستفزاز المؤدي إلى عدم قبولِ النَّصِيحَةِ وإِنَّمَا يتكلم عن الموضوع بِصِفَةٍ عامةٍ كما فعل النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو أَنْجَح وأَجْدَى.

والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلاَتِهِمْ".

(1) قَوْلُهُ: (لِيَنْتَهُنَّ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد"لَيَنْتَهِيَنَّ"وَهُوَ جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. وَفِيهِ رِوَايَتَانِ لِلْبُخَارِيِّ فَالْأَكْثَرُونَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْهَاءِ وَحَذْفِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، وَالثَّانِيَةُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْهَاءِ وَالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ لِلتَّأْكِيدِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ"اهـ."

(2) "فتح الباري"لابن حجر:"بَابُ رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاة"ج 2 ص 233.

(3) المصدر السابق: ج 6 ص 443.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت