إِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَخْرُجْ"إليهم، ولم يصل بهم،"فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ"، أيْ سألوه عن سبب انْقِطَاعِهِ عَنْ الصَّلاةِ في تلك الحُجْرَةِ"فقال: إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ صَلاَةُ اللَّيْلِ"أيْ إنِّي خِفْتُ أنْ تُواظِّبُوا عليها فَتُفْرَضَ عَلَيْكُمْ."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: أنَّهُ يَجَوزُ الاقْتِداءُ بإمَامٍ يَحُولُ دُونَهُ حَاجِزٌ من جِدارٍ أو سُتْرَةٍ، وتَصِحُّ صَلاةِ المَأْمُومِينَ المُقْتَدِينَ به، قال القاري:"وَالْمَسْأَلَة فِيهَا خِلافٌ، وَلَكِن مَا فِي الْبَاب يَدُلُّ على أَنَّ ذَلِك جَائِزٌ، وَهُوَ مَذْهَب الْمَالِكِيَّة أَيْضًا، وَهُوَ الْمَنْقُول عَن أَنَسٍ وَأبِي هُرَيْرَةَ وَابْن سِيرِين وَسَالم، وَكَانَ عُرْوَةُ يُصَلِّي بِصَلَاةِ الإِمَامِ وَهُوَ فِي دَارٍ بَينهَا وَبَين الْمَسْجِد طَرِيقٌ. وَقَالَ مَالك:"لَا بَأْس أَنْ يُصَلِّي وَبَينه وَبَين الإِمَامِ نَهْرٌ صَغِيرٌ أَو طَرِيقٌ، وَكَذَلِكَ السُّفُنِ المُتَقَارِبَةِ يكون الإِمَامُ فِي إِحْدَاهَا تجزيهم الصَّلَاةُ مَعَه. وَكَرِهَ ذَلِك طَائِفَةٌ، وَرُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ:"إِذا كَانَ بَينه وَبَين الإِمَام طَرِيقٌ أَو حَائِطٌ أَو نَهْرٌ فَلَيْسَ هُوَ مَعَه". وَكَرِهَ الشّعبِيّ وَإِبْرَاهِيم أَن يكون بَينهمَا طَرِيق؛ وَقَالَ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَا يَجْزِيِه إِلَّا أَن تكون الصُّفُوف مُتَّصِلَة فِي الطَّرِيق، وَبِه قَالَ اللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَشْهَب"اهـ (1) ."
وقال في"الْمُغْنِي":"قَالَ الْآمِدِيُّ: لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي أَقْصَى الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ مَا يَمْنَعُ الِاسْتِطْرَاقَ وَالْمُشَاهَدَةَ، أَنَّهُ يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ تَتَّصِلْ الصُّفُوفُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ بُنِيَ لِلْجَمَاعَةِ، فَكُلُّ مَنْ حَصَلَ فِيهِ فَقَدْ حَصَلَ فِي مَحَلِّ الْجَمَاعَةِ."
وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ أَوْ كَانَا جَمِيعًا فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ، صَحَّ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مُسَاوِيًا لِلْإِمَامِ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ، كَثِيرًا كَانَ الْعُلُوُّ أَوْ قَلِيلًا، بِشَرْطِ كَوْنِ الصُّفُوفِ مُتَّصِلَةً وَيُشَاهِدُ مَنْ وَرَاءَ الْإِمَامِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَأْمُومُ فِي رَحْبَةِ الْجَامِعِ، أَوْ دَارٍ، أَوْ عَلَى سَطْحٍ وَالْإِمَامُ عَلَى سَطْحٍ آخَرَ، أَوْ كَانَا فِي صَحْرَاءَ، أَوْ فِي سَفِينَتَيْنِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، إلَّا أَنَّهُ يَشْتَرِطُ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا مَا يَمْنَعُ الِاسْتِطْرَاقَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. وَلَنَا، أَنَّ هَذَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْمَنْعِ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِالْإِمَامِ، وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ نَهْيٌ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الِائْتِمَامِ بِهِ، كَالْفَصْلِ الْيَسِيرِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ مَعْنَى اتِّصَالِ الصُّفُوفِ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا بُعْدٌ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ، وَلَا يَمْنَعُ إمْكَانَ الِاقْتِدَاءِ"اهـ (2) ."
ثانيًا: جَوَازُ الاقْتِدَاء بِمَنْ لَمْ يَنْوِ الإِمَامَةَ، وهو مَذْهَبُ الجمهور.
والمطابقة: فِي كَوْنِهِم صَلُّوا مع النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ.
(1) "عمدة القاري": (بابٌ إذَا كانَ بَيْنَ الإمَامِ وبَيْنَ القَوْمِ حائِطٌ أوْ سُتْرَةٌ) ج 5 ص 262.