وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَقْدِيِمِ الطَّعَامِ على الصَّلاةِ لَيْلِيَّةً كانت أوْ نَهَارِيَّةً؛ لأنّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بذلك فِي حَدِيثِ الباب وأمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك يقتضي الاسْتِحْبَابَ عند الجمهور لهذا قالوا:"يُسْتَحَبُّ تَقْدِيم الطَّعَامِ على الصَّلاةِ". قال ابن قدامة:"إذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْعَشَاءِ قَبْلَ الصَّلَاةِ؛ لِيَكُونَ أَفْرَغَ لِقَلْبِهِ، وَأَحْضَرَ لِبَالِهِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْجَلَ عَنْ عَشَائِهِ أَوْ غَدَائِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَحْضُرَ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ وَيَخَافَ فَوْتَهَا فِي الْجَمَاعَةِ أَوْ لَا يَخَافَ ذَلِكَ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ أَنَسٍ: «إذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ"اهـ (2) . وحمل الظَّاهرية الأمر على الوجوب، وجزموا ببطلان الصَّلاة إذا قدمت. وَقَالَ مَالِكٌ:"يَبْدَأُ بالصَّلاةِ إلا أنْ يَكُونَ طَعَامًَا خَفِيفًَا، وهو مذهب الشَّافِعِيّ".
قال في"نَيْلِ الأَوْطَارِ":"وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْعَشَاءُ مُطْلَقًَا سَوَاءٌ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ أَمْ لَا وَسَوَاءٌ كَانَ خَفِيفًا أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ خَشِيَ فَسَادَ الطَّعَامِ أَوْ لَا، وَخَالَفَ الْغَزَالِيُّ فَقَالَ قَيْدُ خَشْيَةِ فَسَادِ الطَّعَامِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فَزَادُوا قَيْدَ الِاحْتِيَاجِ وَمَالِكٌ فَزَادَ قَيْدَ أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ خَفِيفًا. وَقَدْ ذَهَبَ إلَى الْأَخْذِ بِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ ابْنُ حَزْمٍ وَالظَّاهِرِيَّةُ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَرَوَاهُ الْعِرَاقِيُّ عَنْ الثَّوْرِيِّ فَقَالَ يَجِبُ تَقْدِيمُ الطَّعَامِ، وَجَزَمُوا بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ إذَا قُدِّمَتْ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى الْكَرَاهَةِ، وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ أَيْضًا أَنَّهُ يُقَدِّمُ الطَّعَامَ وَإِنْ خَشِيَ خُرُوجَ الْوَقْتِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ، وَذَكَرَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْمُتَوَلِّي وَجْهًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ صَلَّى عَلَى حَالِهِ مُحَافَظَةً عَلَى الْوَقْتِ وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا، قَالُوا:؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الصَّلَاةِ الْخُشُوعُ فَلَا تَفُوتُهُ لِأَجْلِهِ"اهـ (3) .
ثانيًا: التَّرْغِيبُ فِي تَجْرِيدِ النَّفْسِ عَنِ الشَّوَاغِلِ الدُّنْيَوِيَّةِ فِي أثْنَاءِ الصَّلاةِ.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِذَا قُدِّمَ العَشَاءُ، فَابْدَءُوا بِهِ"... إلخ.
(1) قال في"مسند أحمد ط الرسالة":"حديث صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي حزرة، وهو يعقوب بن مجاهد القاص فمن رجال مسلم، وهو ثقة."
(2) "الْمُغْنِي"لابن قدامة: [مَسْأَلَة إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَالْعَشَاءُ بَدَأَ بِالْعَشَاءِ] ج 1 ص 450.
(3) "نيل الأوطار":"بَابُ تَقْدِيمِ الْعَشَاءِ إذَا حَضَرَ عَلَى تَعْجِيلِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ"ج 2 ص 9.