معنى الحديث: يُحَدِّثُنَا أبُو جُحَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"أَنَّهُ رَأَى بِلاَلًا يُؤَذِّنُ فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَهُنَا بِالأَذَانِ"أي أَنَّهُ رَأَى بِلاَلًا في أثناء أَذَانِهِ، ولاحَظَ حَرَكَاتِ وَجْهِهِ، فوجده يُوَجِّهُ فمه يمينًا عند قوله:"حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ"وشمالًا عند قوله:"حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ"كما جاء موضحًا في رواية سفيان حيث قال:"فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، يَقُولُ: يَمِينًا وَشِمَالًا، يَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ"أخرجه مسلم (1) .
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
اسْتِحْبَابُ الالْتِفَاتِ فِي الأَذَانِ عند الحَيْعَلَتَيْنِ بأنْ يتوجه المؤذن بِفَمِهِ يَمِينًَا عند قوله:"حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ"وشمالًا عند قوله:"حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ"من غَيْرِ تَحْوِيلِ صَدْرِهْ أوْ قَدَمَيْهِ عَنِ القِبْلَةِ، وفائدته تَعْمِيم النَّاس (2) بالإِسْمَاعِ.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَهُنَا بِالأَذَانِ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فائدةٌ: قال فِي"عمدة القاري":"عَن جرير عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم (النخعي) أَنه قَالَ:"لَا بَأْس أَن يُؤذن على غير وضوء، ثمَّ ينزل فيتوضأ". وَعَن قَتَادَة وَعبد الرَّحْمَن بن الْأسود وَحَمَّاد:"لَا بَأْس أَنْ يُؤَذِنَ الرَّجُلُ وَهُوَ على غير وُضُوء"، وَعَن الْحسن:"لَا بَأْس أَن يُؤذن غير طَاهِر، وَيُقِيم وَهُوَ طَاهِر". وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) من أَصْحَابنَا:"وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيم على طُهْرٍ، لِأَنَّ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ ذِكْرٌ شَرِيفٌ، فَيُسْتَحَبُ فِيهِ الطَّهَارَةَ، فَإِنْ أذَّنَ على غيرِ وُضُوءٍ جَازَ"، وَبِه قَالَ الشَّافِعِيّ وَأحمد وَعَامة أهل الْعلم، وَعَن مَالك:"أَن الطَّهَارَة شَرْطٌ فِي الْإِقَامَة دون الْأَذَان". وَقَالَ عَطاءٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: تُشْتَرَطُ فِيهِمَا"اهـ (3) .
(1) "شرح العيني"ج 5.
(2) قال في عمدة القاري:"وَالْمرَاد من الِالْتِفَاتِ أَنْ يَلْوي عُنُقه وَلَا يحوِّل صَدره عَن الْقبْلَة، وَلَا يزِيل قَدَمَيْهِ عَن مكانهما، وَسَوَاء المنارة وَغَيرهَا، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَأحمد فِي رِوَايَة: وَقَالَ ابْن سِيرِين:"يكره الِالْتِفَات"، وَهُوَ قَول مَالك، إلاَّ أَنْ يُرِيد إِسْماع النَّاس. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) من الشَّافِعِيَّة: الِالْتِفَات فِي الحيعلتين سُنَّة ليعمَّ النَّاس بإسْمَاعِهِ، وَخص بذلك لِأَنَّهُ دُعَاء، وَفِي وَجه: يلْتَفت يَمِينًا وَشمَالًا فيحيعل، ثمَّ يسْتَقْبل ثمَّ يلْتَفت فيحيعل، وَكَذَلِكَ الشمَال"اهـ.
(3) "عمدة القاري":"بابٌ هَل يُتْبِعُ المُؤَذِّنُ فاهُ هَهُنا وهَهُنا"ج 5 ص 148.