فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 2668

يشربْ، فَجَعَلتُ أَعْجَبُ مِنْ صَبْرِهِ عَلَى الجُوْعِ وَالعطشِ، وَهُوَ فِيْمَا هُوَ فِيْهِ مِنَ الهَوْلِ. قَالَ صَالِحٌ: فَكُنْتُ أَلتمسُ وَأَحتَالُ أَنْ أُوصِلَ إِلَيْهِ طعَامًا أَوْ رَغِيفًَا فِي تِلْكَ الأَيَّامِ، فَلَمْ أَقْدِرْ. وَأَخْبَرَنِي رَجُلٌ حَضَرَه: أَنَّهُ تَفَقَّدَهُ فِي الأَيَّامِ الثَّلاَثَةِ وَهُم يُنَاظِرُونَه، فَمَا لَحَنَ فِي كَلِمَةٍ. قَالَ: وَمَا ظَننتُ أَنَّ أَحَدًا يَكُوْنُ فِي مِثْلِ شَجَاعَتِه وَشِدَّةِ قَلْبِه.

قَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ يَقُوْلُ: ذَهَبَ عقلِي مِرَارًا، فَكَانَ إِذَا رُفعَ عَنِّي الضَّربُ، رَجَعَتْ إِلَيَّ نَفْسِي، وَإِذَا اسْتَرْخَيْتُ وَسَقَطَتُّ، رُفِعَ الضَّرَبُ، أَصَابَنِي ذَلِكَ مِرَارًَا.

وَرَأَيْتُه -يَعْنِي: المُعْتَصِمَ- قَاعِدًا فِي الشَّمْسِ بِغَيْرِ مِظَلَّةٍ، فَسَمِعْتُه - وَقَد أَفَقْتُ (8) - يَقُوْلُ لاِبْنِ أَبِي دُوَادَ: لَقَدِ ارتكبتُ إِثْمًا فِي أَمرِ هَذَا الرَّجُلِ. فَقَالَ: يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، إِنَّهُ -وَاللهِ- كَافِرٌ مُشرِكٌ، قَدْ أَشرَكَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ. فَلاَ يزَالُ بِهِ حَتَّى يَصرِفَه عَمَّا يُرِيْدُ. وَقَدْ كَانَ أَرَادَ تَخلِيَتِي بِلاَ ضَربٍ، فَلَمْ يَدعْه، وَلاَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيْمَ.

قَالَ حَنْبَلٌ: وَبَلَغَنِي أَنَّ المُعْتَصِمَ قَالَ لاِبْنِ أَبِي دُوَادَ بَعْدَ مَا ضُرِبَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: كَمْ ضُرِبَ؟

قَالَ: أَرْبَعَةً، أَوْ نَيِّفًا وَثَلاَثِيْنَ سَوطًا.

قَالَ أَبُو الفَضْلِ عُبَيْدُ اللهِ الزُّهْرِيُّ: قَالَ المَرُّوْذِيُّ: قُلْتُ - وَأَبُو عَبْدِ اللهِ بَيْنَ الهُنْبازِينَ: يَا أُسْتَاذُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {ولاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم} .

قَالَ: يَا مَرُّوْذِيُّ، اخرجْ وَانظرْ. فَخَرَجْتُ إِلَى رَحْبَةِ دَارِ الخِلاَفَةِ، فَرَأَيْتُ خَلْقًَا لاَ يُحْصِيهِم إِلاَّ اللهُ، وَالصُّحُفُ فِي أَيْدِيهِم، وَالأقْلاَمُ وَالمَحَابِرُ، فَقَالَ لَهُمُ المَرُّوْذِيُّ: مَاذَا تَعْمَلُوْنَ؟ قَالُوا: نَنْظُرُ مَا يَقُوْلُ أَحْمَدُ، فَنَكْتُبُه. فَدَخَلَ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: يَا مَرُّوْذِيُّ! أُضِلُّ هَؤُلاَءِ كُلَّهُم؟! فَهَذِهِ حِكَايَةٌ مُنْقَطِعَةٌ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الفَضْلِ الأَسَدِيُّ، قَالَ: لَمَّا حُملَ أَحْمَدُ لِيُضْرَبَ، جَاؤُوا إِلَى بِشْرِ بنِ الحَارِثِ، وَقَالُوا: قَدْ وَجبَ عَلَيْكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ. فَقَالَ: أَتُرِيدُوْنَ مِنِّي أَقُومَ مَقَامَ الأَنْبِيَاءِ، لَيْسَ ذَا عِنْدِي، حَفِظَ اللهُ أَحْمَدَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِه.

قَالَ الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عُثْمَانَ الفَسَوِيُّ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنَا مَيْمُوْنُ بنُ أَصْبَغَ، قَالَ:

كُنْتُ بِبَغْدَادَ، وَامتُحِنَ أَحْمَدُ، فَأخذتُ مَالًا لَهُ خَطَرٌ، فَذَهَبتُ بِهِ إِلَى مَنْ يُدْخِلُنِي إِلَى المَجْلِسِ.

فَأُدخلتُ، فَإذَا السُّيوفُ قَدْ جُرِّدتْ، وَبِالرِّمَاحِ قَدْ رُكزَتْ، وَبَالتِّرَاسِ (9) قَدْ صُفِّفتْ، وَبَالسِّيَاطِ قَدْ وُضِعَتْ، وَأُلْبِسْتُ قَبَاءً أَسْوَدَ وَمِنطَقَةً وَسَيْفًَا، وَوُقِّفْتُ حَيْثُ أَسْمَعُ الكَلاَمَ.

فَأَتَى أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ، فَجَلَسَ علَى كُرْسِيٍّ، وَأَتَى بِأَحْمَدَ، فَقَالَ لَهُ: وَقَرَابتِي مِنْ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَضْرِبَنَّكَ بِالسِّيَاطِ، أَوْ تَقُوْلُ كَمَا أَقُوْلُ. ثُمَّ التفَتَ إِلَى جَلاَّدٍ، فَقَالَ: خُذْهُ إِلَيْكَ. فَأَخَذَهُ، فَلَمَّا ضُرِبَ سَوْطًَا، قَالَ: بِاسْمِ اللهِ. فَلَمَّا ضُرِبَ الثَّانِي، قَالَ: لاَ حَولَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ. فَلَمَّا ضُرِبَ الثَّالِثَ، قَالَ: القُرْآنُ كَلاَمُ اللهِ غَيْرُ مَخْلُوْقٍ. فَلَمَّا ضُرِبَ الرَّابِعَ، قَالَ: {قُلْ لَنْ يُصِيْبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا} ، فَضُرِبَ تِسْعَةً وَعِشْرِيْنَ سَوْطًا.

أَخبَرنِي ابْنُ الفَرَّاءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ قُدَامَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ خُضَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ يُوْسُفَ، حَدَّثَنَا البَرْمَكِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ مَرْدَكَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ سِنَانٍ: أنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ المُعْتَصِمَ نظرَ عِنْدَ ضَرْبِهِ إِيَّاهُ إِلَى شَيْءٍ مَصرورٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت