أي وقتها المختار"لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي"أخرجه مسلم. قال النووي:"وَأَمَّا آخِرُ وَقْتِ الْعِشَاءِ الْمُخْتَارُ فَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ: أَحَدُهُمَا - وهو المشهور فِي الجديد - أَنَّهُ يَمْتَدُّ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ. وَالثَّانِي: وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْقَدِيمِ وَالْإِمْلَاءِ مِنْ الْجَدِيدِ يَمْتَدُّ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ وَهُمَا حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ وَاخْتَلَفَ الْمُصَنِّفُونَ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ صَحَّحَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ كَوْنَهُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَصَحَّحَ أَصْحَابُنَا ثُلُثَ اللَّيْلِ وَمِمَّنْ صَحَّحَ ثُلُثَ اللَّيْلِ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُخْتَصَرَاتِ مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْإِقْنَاعِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ وَالشَّاشِيُّ فِي الْعُمْدَةِ وَدَلِيلُ الثُّلُثِ حَدِيثُ جِبْرِيلَ وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَقَدْ سَبَقَ بِطُولِهِ"اهـ (3) .
ثانيًا: أَنَّ تأخيرَ صَلاةِ العِشَاءِ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ أَفْضَل لحديث الباب، ولقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حديث أبِي سَعِيدٍ:"وَلَوْلَا ضَعْفُ الضَّعِيفِ، وَسَقَمُ السَّقِيمِ ..."حيث دَلَّ على أنْ تأخيرها إلى نِصْفِ اللَّيْلِ أَفْضَل وإِنَّمَا قدمها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مراعاةً للضُعَفَاءِ والَّذِينَ لا يستطيعون التَّأْخِيرَ إلى ذلك الوقت المتأخر من اللَّيْلِ فيؤدي ذلك إلى تَفْوِيتِ تَكْثِيرِ الجماعة.
قال فِي"نَيْلِ الأَوْطَارِ":"وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَاب تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ الْأَفْضَلُ تَقْدِيمُهَا أَمْ تَأْخِيرُهَا؟ وَهُمَا مَذْهَبَانِ مَشْهُورَانِ لِلسَّلَفِ وَقَوْلَانِ لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. فَذَهَبَ فَرِيقٌ إلَى تَفْضِيلِ التَّأْخِيرِ مُحْتَجًّا بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَذَهَبَ فَرِيقٌ آخَرُ إلَى تَفْضِيلِ التَّقْدِيمِ مُحْتَجًّا بِأَنَّ الْعَادَةَ الْغَالِبَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ التَّقْدِيمُ، وَإِنَّمَا أَخَّرَهَا فِي أَوْقَاتٍ يَسِيرَةٍ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَالشُّغْلِ وَالْعُذْرِ، وَلَوْ كَانَ تَأْخِيرُهَا أَفْضَلُ لَوَاظَبَ عَلَيْهِ؛ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَشَقَّةٌ. وَرُدَّ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا مُجَرَّدُ الْفِعْلِ لَهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ لِوُرُودِ الْأَقْوَالِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَفِيهَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ التَّأْخِيرِ وَعَلَى أَنَّ تَرْكَ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ كَمَا صَرَّحَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ، وَأَفْعَالُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُعَارِضُ هَذِهِ الْأَقْوَالَ"اهـ (4) . قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا العِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ"رواه التِّرْمِذِيّ (5) ، إلى غير ذلك من الأحاديث التي فيها تنبيه على أفْضَلِيَّةِ التَّأْخِيرِ.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"أَخَّرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاَةَ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ".
(1) قال في"جامع الأصول":"رواه أبو داود رقم (422) فِي الصَّلاةِ، باب في وقت العشاء الآخرة، والنَّسَائِيّ 1/ 268 في المواقيت، باب آخر وقت العشاء وإِسْنَادُهُ صَحِيِحٌ، صححه الحافظ ابن حجر وغيره"اهـ.
(2) "الْمُغْنِي"لابن قدامة: [مَسْأَلَة إذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ذَهَبَ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ] ج 1 ص 278.
(3) "المجموع شرح المهذب":"باب مواقيت الصلاة"ج 3 ص 39.
(4) "نيل الأوطار": [بَابُ وَقْتِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَفَضْلِ تَأْخِيرِهَا مَعَ مُرَاعَاةِ حَالِ الْجَمَاعَةِ] ج 2 ص 15.