فهرس الكتاب

الصفحة 655 من 2668

يَجْمَعُ أَحَدٌ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْمَطَرِ: لَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَلَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ دَاوُدَ"اهـ (1) ."

قال فِي"الدُّرِ المختار وحاشية ابن عابدين":"وَقَالَ سُلْطَانُ الْعَارِفِينَ سَيِّدِي مُحْيِي الدِّينِ: وَاَلَّذِي أَذْهَبُ إلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي غَيْرِ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ؛ لِأَنَّ أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ قَدْ ثَبَتَتْ بِلَا خِلَافٍ، وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُ صَلَاةٍ عَنْ وَقْتِهَا إلَّا بِنَصٍّ غَيْرِ مُحْتَمَلٍ؛ إذْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْرَجَ عَنْ أَمْرٍ ثَابِتٍ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ، هَذَا لَا يَقُولُ بِهِ مَنْ شَمَّ رَائِحَةَ الْعِلْمِ، وَكُلُّ حَدِيثٍ وَرَدَ فِي ذَلِكَ فَمُحْتَمِلٌ أَنَّهُ يُتَكَلَّمُ فِيهِ، مَعَ احْتِمَالِ أَنَّهُ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ"اهـ (2) .

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أولًا: أنَّهُ يَجُوزُ للمُقِيمِ:"الجمع بين الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وبين الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جمع تأخير لعذر المطر، وهو قول مَالِكٍ والشَّافِعِيِّ وأحْمَدَ؛ غير أنَّ الشَّافِعِيَّ اشترط أنْ يكون المطر موجودًا بالفعل عند افتتاح الصَّلاتين. وأجاز مَالِكٌ أيْضًَا الجمع فِي حَالِ الطِّينِ والظِّلْمَةِ. وقال الْأَوْزَاعِيّ وأَصْحَابُ الرَّأيِّ:"يُصَلِّي عند المَطَرِ كُلَّ صَلاةٍ فِي وَقْتِهَا". قال فِي"نَيْلِ الأَوْطَارِ":"وَقَالَ قَوْم: لَا يَجُوز الْجَمْع مُطْلَقًَا إلَّا بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ، وَهُوَ قَوْل الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ. وَأَجَابُوا عَمَّا رُوِيَ مِنْ الْأَخْبَار فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ جَمْع صُورِيّ وَهُوَ أَنَّهُ أَخَّرَ الْمَغْرِب مِثْلَا إلَى آخِر وَقْتهَا وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ فِي أَوَّل وَقْتهَا، كَذَا فِي الْفَتْحِ. قَالَ: وَتَعَقَّبَهُ الْخَطَّابِيِّ وَغَيْره بِأَنَّ الْجَمْع رُخْصَة، فَلَوْ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ لَكَانَ أَعْظَم ضِيْقًا مِنْ الْإِتْيَانِ بِكُلِّ صَلَاة فِي وَقْتهَا"اهـ (3) ."

لكن هذا التَّأويل يَتَعَارَضُ مع قَوْلِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِذَا عَجِلَ عَلَيْهِ السَّفَرُ، يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ، حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ"متفق عليه.

ثانيًا: قَوْلُهُ فِي بَعضِ الرِّوَايَاتِ:"مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ"اسْتَدَلَّ بِهِ أحْمَدُ وبعض الشَّافِعِيَّة على جواز الجمِع للمَرَضِ (4) ؛ والله أعلم.

والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:"صَلَّى بِالْمَدِينَةِ سَبْعًا وَثَمَانِيًا: الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ".

(1) "الْمُغْنِي"لابن قدامة:"فَصْلٌ: وَيَجُوزُ الْجَمْعُ لِأَجْلِ الْمَطَرِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ"ج 2 ص 203.

(2) "رد المحتار":"كِتَابُ الصَّلاةِ" ج 1 ص 382.

(3) "نيل الأوطار": [أَبْوَابُ الْجَمْع بَيْن الصَّلَاتَيْنِ] ؛ [بَابُ جَوَازه فِي السَّفَر فِي وَقْت إحْدَاهُمَا] ج 3 ص 253.

(4) قال فِي "شرح النَّوَوِيّ على مسلم":"وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ إِلَى جَوَازِ الْجَمْعِ فِي الْحَضَرِ لِلْحَاجَةِ لِمَنْ لا يتخذه عَادَةً وهو قول بن سِيرِينَ وَأَشْهَبَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ. وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنِ الْقَفَّالِ وَالشَّاشِيُّ الْكَبِيرُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَنْ أَبِي"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت